أداء القناة الوطنية خلال شهر رمضان

القناة الوطنية تونس

الحقيقة، بما أنني لا أملك غيرها من القنوات التونسية فأنا مضطر لمتابعة برامجها خلال شهر رمضان، وكما انه من عادتي قطع ومقاطعة كل القنوات الغربية (بما فيها القناة الأولى السويسرية وبما فيها نشرتها الرئيسية للأخبار) فليس أمامي إلا بعض القنوات العربية وعلى رأسهم القناة الوطنية الأولى.

وقد لاحظت تحسنًا في آدائها هذا العام ربما من جراء ظروف الحجر الصحي والأرجح عندي أنها تلقت أوامر من الحكومة لمزيد ضخ دفقة من الشحنات الدينية في برامجًا عساها تغطي على إجراءات غلق المساجد التي اتخذتها الكومة في إطار مجابهة آفة الوباء.

إلا أني مازلت أعتبر هذه القناة من أكثر القنوات العربية غباء وعبثية وسوء تقدير للشريحة الاجتماعية والثقافية والدينية التي تستهدفها من خلال برامجها كقناة وطنية رسمية ممولة من مال المجموعة الوطنية ومن خزينة الدولة.

هذا الغباء الذي تظهر علاماته خلال السهرة الليلية التي تعودت القناة تنشيطها ليلة العيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى) من كل عام، بحيث تأتي القناة بمن لا علاقة لهم برمضان ولا بالقرآن ولا بالصيام ولا بالتراويح ولا بأي شيء له صلة بعيد الفطر أو رمضان.

والمعلوم عند كل من له أبسط درجات الذوق والذكاء والأخلاق أن لكل عيد فئة او شريحة يتوجه إليها ذلك العيد، إذ في عيد المرأة من المفروض التركيز على المرأة وفي عيد الشغل من المفروض التركيز على من كدوا وجدّوا واشتغلوا وفي الأعياد الوطنية يقع التركيز على المجد الوطني والنضال الوطني والتحرر الوطني وهكذا لكل عيد شريحته وفئته التي تستحق التركيز عليها وإظهاراها.

غير أن قناتنا “الغبية” تأتي لنا ليلة عيد الفطر بمجموعة من الماجنين والماجنات والراقصين والراقصات والمتعفنين والمتعفنات الذين لا صلة لهم لا بالصيام ولا بالقرآن ولا بتعب صلاة التراويح ولا بمن ختموا القرآن وقاموا الليل وسهروا وتعبوا طيلة 30 يوما، كل هؤلاء لا تلتفت إليهم “القناة الغبية” بل بالعكس تأتي بعكسهم.

والمصيبة أن هذه الفئة من “المنشطين” و “المنشطات” لهم أيام تخصهم ويمكن أن تأتي بهم مثل ليلة السنة الميلادية (la nuit du réveillon) أو ليلة افتتاح أيام قرطاج السنمائي أو أي ليلة تتماشى وأذواقهم ومنطقهم وفي أيام كثيرة تتماشى ومظهرهم ولباسهم وهيأتهم، ولكنهم أبوا وأصروا وألحوا إلحاحا على أن يأتوا بأمثال هؤلاء ليلة عيد الفطر.

وهمّشوا أو تعمدوا تهميش من ختم القرآن حفظًا أو تلاوة طيلة شهر رمضان أو من أتم حفظ الحديث أو من اخترع اختراعًا أيام رمضان أو من وقع فهمه على تفسير آية من كتاب الله غاب معناه على أجيال من المفسرين، أو من أطرب آذان المصلين بحسن قراءته وتلاوته أو من وقف أيام رمضان على جمع أموال زكاة العيد أو من نذر نفسه وماله لإطعام الصائمين،… وغيره ممن يعج بهم الشهر الفضيل والذين يستحون المثول أمام الشعب للاقتداء بهم والنسج على منوالهم…

واصلوا في هذا الغباء ونتمنى أن تأتون لنا ليلة عيد الأضحى القادم بروائح الزبالة والجلود المنتشرة على قارعة الطريق وتأتون لنا بخبراء في الاقتصاد لكي يحللوا ويشرحوا لنا الآثار الاقتصادية الوخيمة المترتبة عن اقتناء التونسيين لكبش العيد من أجل ذبحه وأكل لحمه.

واصلوا في هذا الغباء، فليس هناك قناة عربية أغبى منكم ولا أكثرية منكم حماقة وبلاهة، وأنكم لا تستحقون الاحترام والتقدير مثلما أنكم لم تحترموا الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ… لم تحترموهم ولَم تقدّروهم حق قدرهم، ولا نأسف عليهم لأن الله أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وإنما نحزن ونبكي ونتألم على أموال التونسيين أين تُهدر ونأسف على هذه الرداءة التي فضحتم بها بلدنا وشعبنا وتركتموننا أضحوكة أمام مسلمي العالم.

المهدي بن حميدة

في 24 ماي 2020

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

من مواليد سنة 1967 - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير دار عاتكة للطباعة والنشر والتوزيع ومقرها لوزان.

أظهر كل المقالات