في الذكرى الـ50 للـ”فورة الجنسية” ماي 1968

تحتفل كافة البلدان الأوروبية هذه الأيام بالذكرى الخمسين لثورة ماي 1968 إذ في الثالث من شهر ماي من تلك السنة احتشد الطلاب بساحة جامعة السربون ببارس فكانت شرارة الثورة الطلابية التي تمددت إلى صفوف المثقفين والعمال ثم من باريس عمت المظاهرات كل مقاطعات فرنسا ومنها إلى كافة بلدان أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والبابان وبلدان أمريكا اللاتينية لتصبح ثورة عالمية أحدثت تغييرات عميقة في مجتمعات العالم بأسره مازالت آثارها واستتباعاتها إلى اليوم.

رُفعت عدة شعارات خلال هذه الثورة أو الانتفاضة الطلابية منها مقاومة التسلط (تسلط إدارة الجامعة وسلطة الأب وأجهزة الدولة) والاستبداد والقهر والاستعباد وتوحش رأس المال والنفاق الاجتماعي والجمود العقائدي… وكما وقف مفكرون كبار من أمثال سارتر وميشيل فوكو وجيل دولوز مع حركة ماي 68 وقف ضدها مفكرون آخرون أمثال كلود ليفي شتراوس الذي اعتبرها تمثل طفولية الجماهير.

لقد ساهمت ثورة ماي 68 في فرنسا خصوصا وأوروبا عامة في خلق مناخ فكري وثقافي جديد، فقد أحدثت قطيعة مع أنماط التفكير التي كانت سائدة آنذاك وأعادت التفكير في مجموعة من المفاهيم التي ألغتها الثقافة والجامعة والمجتمع، خاصة مفهوم الجسد والجنس والرغبة واللذة، حتى هناك من يقول أن ثورة ماي 68 ماهي إلا فورة جنسية.

والمتأمل لأهم حصيلة لهذه الثورة بعد 50 سنة من حدوثها يجدها حصيلة ثقافية دينية مجتمعية أكثر منها شيء آخر، حيث أن تلك القيود التي فرضتها الكنيسة على القارة الأوروبية والعالم المسيحي كله والمتعلقة أساسا بالجسد (le corps) والعُري (la nudité) والجنس  (la sexualité)والعفّة (la chasteté) والقداسة (la sainteté) قد تبدّدت وتغيرت رأسا على عقب، حيث جاء جيل ما بعد الحرب (العالمية الثانية) وقرّر التمرد على كل الأعراف السائدة، فاكتسح الطلبة الذكور مبيتات الطالبات الإناث والعكس أيضا حصل إذ اقتحمت الطالبات في مسيرات وتجمعات ضخمة مبيتات الطلبة الذكور وحصل التشفي من كل ذلك الكبت الجنسي والعاطفي الذي ظلت الكنيسة تضيق فيه طيلة قرون.

وما نشهده اليوم من اكتساح ثقافة الـ”pilule” والعلاقات الجنسية الحرّة ما هي إلا نتاج انفجار ذلك الكبت “المسيحي” باسم طهارة “روح القدس” (saint esprit) للتخلص من عقدة الذنب “le péché originel” التي هيمنت على إخواننا المسيحيين طيلة ألفي عام، والذي حصل خلال هذه الثورة قد أتى على ما تبقى من القيم الأساسية التي قامت عليها البشرية منذ خلق الإنسان وهي العلاقات الطبيعية بين المرأة والرجل وفي إطار مؤسسة “الزواج” فقط ولا شيء غير هذه المؤسسة الاجتماعية المقدسة.

وكل محاولة لنقل هذه المفاهيم “الثورجية” إلى مجتمعاتنا ذات الأصول الإسلامية، باسم الحداثة وباسم “فصل الدين عن الدولة” فهو مخطئ، فكما جاءت ثورات الربيع العربي في 2011 لتنفجر في وجه القمع والاستبداد وترسي مفاهيم جديدة في حرية الرأي والتعبير وتحطيم أصنام الماضي لتعطي المجتمعات العربية “جرعة زائدة” في الحرية وعدم الخوف من أصحاب المسؤولية أيا كانوا، ففي المجمعات ذات الأصول المسيحية قد جاءت ثورة 1968 لتخلص تلك الشعوب من عقدة الذنب تجاه الجنس والجسد والمرأة بصفة عامة وتزيد في جرعة العلاقات بين الجنسين لتتجاوز حدود الفطرة وحدود القيم الإنسانية.

وكما يقول علي عزت بيجوفيتش: “إن ثورة الشباب سنة 1968 لم تكن ثورة سياسية لها أهداف واضحة، فقد كانت ثورة غير منتظمة، وكثيرا ما كانت تأخذ شكل كاثارسيس (تطهير). ومع أنها كانت تسمى “ثورة بلا سبب”، إلا أنها كانت ثورة عدميّة ضد الأخلاق الاستهلاكية التي تشبه المخدّر، تُفقد البشر وعيهم الإنساني، فيقْضون حياتهم في العمل الشاق لشراء سلعٍ لا يريدونها”.

وفي الختام هنيئا لكم ثورتكم (1968) وهنيئا لنا ثورتنا (2011) وملتقانا جميعا على هذه الأرض باسم الإنسانية عند الوسطية والاعتدال وعدم الإفراط والتفريط لافي العلاقات بين الجنسين ولا في حرية التعبير والتفكير لنرسي قيم العدل والمساوات والتسامح والوسطية والاعتدال والميل إلى الفطرة الإنسانية والابتعاد عن التطرف والشذوذ الابتذال.

المهدي بن حميدة
لوزان في 3 ماي 2018

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

العمر 55 سنة - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 9 ماي 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير شركة خاصة في الطباعة والتصميم والتوزيع.

أظهر كل المقالات