ماذا حصل في 17 ديسمبر 2010 في تونس و 25 جانفي 2011 في مصر؟ و 8 ديسمبر 2024 في دمشق؟ وهل هي نفس الثورة ونفس المسار ونفس المنطلقات والأهداف؟
لابد من استرجاع وتعديل البوصلة بدون نعارات أو سخافات! فتارة تونسي يتغنى بأم الثورات كأول ثورة أشعلت في تونس ومنها جاءت باقي الثورات، وتارة يتغنى مصري بأم الدنيا وأن أكبر ثورة في حجمها وحجم بلدها هي الثورة المصرية وتارة يتغنى شامي بأم الشرق وأن الثورة الحقيقة هي ثورة السلاح التي أتت على أعتى نظام ديكتاتوري في الشرق الأوسط، كل واحد يتغنى بأمه! فما حقيقة تلك الثورات وهل هناك خيط رابط بينها أم لكل تجربة ظروفها وأهدافها ووسائلها؟
ليست صدفة أن تنطلق ثورة شعبية في بلد مثل #تونس، والقارئ للتاريخ سوف يتفطن بسرعة أن مخاضا فكريا وحراكا مجتمعيا وجمعياتيا ساد في أوساط النخبة منذ القرن 19 على أيدي مصلحين على رأسهم خير الدين باشا التونسي من أجل تحديث المجتمع والدولة وإرساء حكم حديث، فكان من ذلك أول دستور في الوطن العربي ينطم اقتسام السلطة هو دستور عهد الأمان 1859-1861.
قبل مواصلة السياق التونسي فلنرجع إلى #مصر لنذكر بالثورة الكبرى التي قادها #محمد_علي_باشا منذ أوائل القرن 19 أي قبل الإصلاحات الدستورية التونسية، وكادت دولة محمد علي أن تقضي على الرجل المريض في الآستانة، وأحدث إصلاحات كبرى في مصر التي ضم إليها الشام والسودان وأرسى مدارس عليا عسكرية ومدنية ثم ابتدائية غير أن نظامه السياسي يختلف تماما عما نادى به الإصلاحيون في تونس حيث أراد إرساء حكم أوتوقراطي يحكمه شخص ثم يورث ذلك الحكم في العائلة.
بعد القضاء على ثورة محمد علي في مصر جاء حكم العسكر منذ 1954 وإلى اليوم تُحكم مصر بالعسكر وسط شعب تهيمن عليه الزوايا والأضرحة وفكر أزهري ماضوي لم يطرأ عليه أي تحديث منذ إنشاء #جامع_الأزهر في 971م، ونخب تكنوقراطية تكوّن أغلبها ضمن بعثات علمية في الخارج طيلة القرن 19 ثم في الداخل ابتداء من القرن 20.
في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 لم يجد المصلحون الجدد بزعامة الأفغاني ثم محمد عبده رواجا لدعوتهما داخل مصر بل وجد عبده استجابة لتطوير فكر النهضة الإصلاحي في تونس من خلال محاضرة تاريخية ألقاها في الجمعية الخلدونية أي جامع الزيتونة بتاريخ 20 سبتمبر 1903 بعنوان “العلم وطرق التعليم” ولقيت هذه المحاضرة رواجا وصدى داخل أقسام جامع الزيتونة وفي الوسط الإعلامي التونسي والمصري.
ما معنى هذا الكلام؟ يعني أن زبدة فكر الإصلاح والنهضة الذي انطلق منذ محمد علي في مصر وخير الدين في تونس ومغامرات السياسة والتنظيم مع جمال الدين الأفغاني لخّصه محمد عبده بمحاضرته تلك التي ألقاها قبل 20 شهرا من وفاته، ومفادها: العمل على تقدم العلوم ونشر العلم وتطوير أساليبه ومناهجه ومؤسساته، وكانت أكثر النخب استجابة لتلك الدعوة هي النخب التونسية وهو ما صرّح به محمد عبده إثر عودته لمصر.
منذ ذلك التاريخ والعرب والنخب العربية تتصارع حول طرق النهضة والإصلاح، ومرت بتجارب ودعاوى من أقصى اليمين الوهابي السلفي في الحجاز إلى الوسط المحافظ في الأزهر إلى أقصى اليسار الشيوعي والراديكالي في كل العواصم العربية.
ولكن الخيط الذهبي الرفيع الذي ظل متماسكا ومنسجما هو خيط الإصلاح الداخلي الذي ينطلق من إصلاح الفرد ثم إصلاح المناهج والمؤسسات التعليمية ومنه إلى إصلاح الدساتير والقوانين التي انطلق منذ أول دستور عربي وهو دستور عهد الأمان في تونس بتاريخ 26 أبريل 1961، ثم تطورت الأحداث مع حركة التحرر الوطني بزعامة عبد العزيز الثعالبي ومنه إلى الحبيب بورقيبة فجاء دستور الاستقلال دستور 1959.
هذه الحركية الدستورية والمجتمعية والجمعياتية لم تكن بنفس الكيفية في بقية البلدان العربية لو استثنينا تركيا التي لا تخص العالم العربي، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن حملة ما يسمى تجفيف الينابيع أي محاربة مظاهر التدين في أصولها، مثل الكتاب الإسلامي أو الحجاب أو أي مظهر من مظاهر الالتزام الديني وقعت محاربتها ومحاصرتها، وهذا لم يحدث لا في مصر ولا ليبيا ولا اليمن باستثناء سوريا التي رأيتم تهاوي النظام فيها بأسرع مما كان العالم يتخيل.
لو أردنا أن نحوصل كل الثورات في الربيع العربي ماذا نجد؟ نجد تونس التي انطلقت فيها ثورة ذات جذور تمتد إلى 150 سنة من أجل وضع دستور يليق بشعب تونس، أما بقية البلدان خصوصا في مصر إنما حركتهم النخوة والعنترة (نسبة إلى عنترة ابن شداد) إلى إشعال ثورة، ولسان حال شعبها يقول: كيف يقوم التوانسة بثورة ونحن شعب مصر أم الدنيا نبقى مكتوفي الأيدي؟ ودليل انسياق المصريين بالعنتريات هو أنه لم تحركهم شعرة نخوة ولا جيرة تجاه ما يحصل من إبادة جماعية لشعب غزة على مدى عام وأزيد، بينما تحركت فيهم نخوة أم الدنيا عندما أسقط السوريون نظامهم واستبدلوا علم بلادهم بعلم الثورة، فقادوا حملة على وسائل التواصل الاجتماعي لإسقاط النظام واستبدال علم مصر.
اليوم بعد سقوط نظام الأسد في سوريا سوف تتداعى بقية الأنظمة في كل من مصر وكذلك الأردن ولكن بدون عنتريات وإنما بنسق ثوري وتغيير مجتمعي بنّاء انطلق من تونس وسوف يعود إليها، فالمسألة هي مسألة وقت وتسلسل متناسق ومنسجم مع حراك الربيع العربي الذي انطلق في 2010 وتجدد بـطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023.



