لقد سعى الأمير شكيب أرسلان بصحبة رفيقيه، علي الغاياتي[2] وزكي علي[3]، لإعداد أول مؤتمر للجالية الإسلامية في أوروبا وكان ذلك بين 12 و17 سبتمبر 1935، بقاعات نزل فكتوريا بجنيف[4]، ولقد ضم هذا المؤتمر قرابة سبعين مندوباً أغلبهم من أصول أوروبية[5].
رئيس هذا المؤتمر هو المصلح الشهير شكيب أرسلان (5 ديسمبر 1869 – 9 ديسمبر 1946)، كاتب ومفكر عربي لبناني[1] اشتهر بلقب أمير البيان بسبب كونه أديباً وشاعراً بالإضافة إلى كونه سياسياً، كان يجيد اللغة العربية والتركية والفرنسية والألمانية والإنجليزية، تتلمذ على الشيح محمد عبده في طفولته، والتقى بالعديد من المفكرين والأدباء خلال سفراته العديدة مثل جمال الدين الأفغاني وأحمد شوقي. بعد إلحاق لبنان بالمستعمرات الفرنسية استقر بمنفاه في لوزان ثم جنيف من 1928 إلى 1946 حيث بعث مجلة (La Nation Arabe) باللغة الفرنسية للدفاع عن حقوق العرب والدفاع عن لبنان وسورية، له عديد المؤلفات منها “تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط” الذي ألّفه سنة 1933 وتحدّث فيه بعمق عن أصول تواجد العرب المسلمين في سويسرا.
ولقد تم افتتاح المؤتمر في أوّل أيامه في 12 من شهر سبتمبر 1935م بعد ان قرأ إمام مسجد باريس، قدور بن غبريط، ما تيسّر من القرآن الكريم ثم ألقى الأمير شكيب أرسلان خطاب الرئاسة الترحيبي بالدول الأوربية التي مُثِلت في المؤتمر وهي: فرنسا، بريطانيا، يوغسلافيا، بولندة، النمسا، ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا، ألبانيا، سويسرا، هولندا، المجر. أما الأقطار الشَرَفية فقد مُثِلت بصورة شخصية وليست رسمية وهي: مصر، تركيا، سوريا، فلسطين، العراق، ثلاث ممثلين عن شمال إفريقيا، إيران، أفغانستان، أذربيجان، الهند.
ثم عرض الأمير شكيب أرسلان أحوال العالم الإسلامي قبل وبعد إلغاء الخلافة العثمانية، وحث المسلمين على توحيد جهودهم من أجل التضامن الإسلامي، وناقش المؤتمر مشروع بناء مسجد في وارسو عاصمة بولندة وأُفتُتِح الاكتتاب لهذا المشروع.
وقدم الدكتور زكي علي خلال المؤتمر محاضرة عن العلاقات بين أوروبا والإسلام، وأكد على الحاجة الملحة لتنظيم جهود المسلمين في عرض الإسلام الحقيقي بأحسن الطرق وأكثرها جاذبية للأوربيين، كما أكد في حديثه على التسامح الإسلامي والأخلاق والنظام الاجتماعي وأهمية الدين الإسلامي للإنسانية، واختُتِمت الجلسة بمائدة حضرها جميع أعضاء المؤتمر.
وفي الجلسة الثانية للمؤتمر تحدث السيد فان بيتهم محمد علي، رئيس الجمعية الإسلامية الهولندية في لاهاي، عن الإسلام في هولندا والمستعمرات الهولندية، ورجا المؤتمر أن يقدم المساعدات لبناء مسجد ومدرسة إسلامية في لاهاي، وذكر المتحدث أن هولندا لها 55 مليون من الرعايا المسلمين[6].
أما المستشرق الإيطالي الكونت برنارد باربيلين أميدي، وعضو البرلمان الإيطالي فقد أعلن أمام المؤتمر اعتناقه الإسلام، الدين الذي وقر في قلبه أنه الدين الحق والمثالي، واتخذ اسم “سيف الإسلام” وسط التهاني والتبريكات القلبية من أعضاء المؤتمر.
وفي اليوم الثاني استمع المؤتمر شرحًا مشوقًا عن الإسلام في سويسرا من قبل السيد علي محي الدين دي ميربرغ وهو سويسري مسلم و رئيس الجمعية الإسلامية الألمانية، كما تحدث السيد عبد الحميد هورا مونيج، رئيس الجمعية الإسلامية في بولندة، عن أحوال المسلمين في بولندة.
وقدم السيد عمر هربرت ستيوارت رانكن بارت، محاضرة مهمة عن الإسلام وتطور الدعوة الإسلامية في بريطانيا، وقال يوجد في بريطانيا ثلاثون ألف مسلم في ذلك الوقت[7]، بينهم خمسة آلاف هم إنجليز أصليون بالولادة ، وأن الإسلام في تقدم في بريطانيا، وفي وقت الظهر أدى الجميع صلاة الجمعة، وحينما استأنف المؤتمر جلساته قدم الدكتور يعقوب مفتي بولندة حديثًا عميقًا عن التسامح في الإسلام وتاريخ الإسلام في بولندة، وشرح بإمعان الوضع الاجتماعي لمسلمي بولندة.
كما تحدث السيد محمد رسولفيك القادم من بودابست عن تاريخ الإسلام في المجر، ومشروع إنشاء مسجد ومدرسة للأطفال المسلمين في بودابست، أما الدكتور درويش كوركوت، الكاتب والإعلامي اليوغسلافي، فقد قدم محاضرة قيمة عن الإسلام في يوغسلافيا، وإن عدد المسلمين في يوغسلافيا يزيد عن مليون ومائة وسبعين ألف.
وفي اليوم الثالث ناقش المؤتمر اقتراحا قدمه السيد علي الغاياتي بإنشاء مسجد في جنيف باعتبارها مركزًا دوليًا، ورحب المؤتمر بهذا الاقتراح، أما المستشرق النمساوي وصديق الإسلام الدكتور هربرت جانسكي، وعضو الشرف في جمعية الثقافة الإسلامية في فينا فقد ألقى محاضرة عن الإسلام وتوافقه مع احتياجات الغرب، وقدم البروفسور محمد كنتار ديتش محاضرة عن المعاهد الإسلامية في يوغسلافيا معززة بإحصائيات دقيقة.
وتحدث الإمام وصال علي شان عن المسلمين في جنوب البوسنة، كما تحدث وفد من ثلاثة أعضاء من شمال أفريقيا برآسة الخطيب مصالي الحاج، ومرافقَيْه عماش عمار ومحمد بداك، تحدثوا الواحد بعد الآخر عن الإسلام في فرنسا والأحوال المزرية للعمال المسلمين في ذلك البلد[8]. وفي نهاية التدخلات عرض إحسان باي الجابري[9] المشكل الفلسطيني متهما الصهيونية التي كانت تكثف هجرة اليهود وشراء الأراضي في فلسطين.
وفي اليوم الرابع وبعد تسع جلسات عُقدت خلال 5 أيام وافق المؤتمرون على التوصيات التالية:
- تقديم الشكر لحكومة يوغسلافيا لتعاطفها مع المسلمين في بلدها .
- مطالبة الحكومة الهولندية بأن تكون أكثر تعاطفاً ورعاية لملايين المسلمين في إمبراطوريتها .
- التقارب بين السنة والشيعة وإزالة الفوارق .
- شكر مفتي فلسطين فضيلة السيد أمين الحسيني على خدماته للإسلام والقضية العربية .
- إرسال نداء لعصبة الأمم لوقف الهجرة اليهودية المدمرة إلى فلسطين وإرسال مثل هذا النداء إلى الحكومة البريطانية وإلى مختلف الدول الإسلامية .
- الدفاع عن مصالح المسلمين في أوروبا وضمان حقوقهم المشروعة .
وكانت مقترحات المؤتمر القادم بالمصادقة على تكوين “لجنة دائمة لمؤتمر مسلمي أوروبا”، ثم اختُتِم المؤتمر بخطاب من الرئيس، الذي قال لهم بالحرف ” قد زرعنا والآن علينا أن نحرك العقول لجني محصول كبير”، وبعد دعاء قدمه المفتي سليم أفندي من البوسنة، انتهى المؤتمر بهتاف مدوي “عاش الإسلام”، وبهذا أقيم أول مؤتمر لمسلمي أوروبا في مدينة جنيف منذ 86 سنة على كتابة هذه المذكرات، وسوف تتبعه مؤتمرات ونشاطات أخرى سوف أتحدث عنها وعن تواتر المسلمين في ربوع هذه البلاد في مقالات اللاحقة إن شاء الله .
* الصورة ومجمع المقال (بتصرف) أخذ من مقال للد.صالح مهدي السامرائي (رئيس المركز الاسلامي في اليابان) صدر بالموقع الإلكتروني لمجلة المجتمع الكويتية.
المهدي بن حميدة
لوزان في 20 اكتوبر 2021
[1] ولد السيد شكيب لعائلة تنتمي للطائفة الدرزية بجبل لبنان، ومن المعلوم أن الدروز لهم مذهبهم الخاص بهم، ولا يقبلون بدخول أحد إلى مذهبهم، ولا يسمحون لأحدهم بالخروج منه. ولكنه كان يتعبّد على طريقة أهل السنة، فكان يصلي ويصوم ويحج ويؤدي سائر العبادات كما يفعل المسلمون السنة.
[2] علي الغاياتي، عالم وسياسي وصحافي مصري عاش فترة في سويسرا مدافعًا عن الإسلام وتوفي في القاهرة سنة 1956 .
[3] زكي علي، طبيب مصري عاش في أوروبا في الثلاثينات حتى وفاته، مارس الطب ولكن كان همه الإسلام وتعاون مع الأمير شكيب أرسلان، وألف كتبًا حول الطب ومصر القديمة بالإنجليزية والألمانية والفرنسية.
[4] Hôtel Victoria, 11 Rue Pierre-Fatio, 1204 Genève. Situé à l’angle de la rue Pierre-Fatio et de la rue du Rhône à Genève. L’immeuble a été démoli dans les années 1970 pour faire place à celui de la Chase Manhattan Bank.
[5] مثلت الجالية الإسلامية في أوروبا بصورة كاملة بحضور سبعين مندوبا من مختلف الجمعيات في أوروبا، وكان من بين المشاركين:
– المفتي سليم أفندي، رئيس مجلس العلماء في سراييفو في يوغسلافيا
– وصال علي شان، رئيس المفتين في سكوبيا – البوسنة
– يعقوب زنكيوس، رئيس مفتين بولندا
– عمر هوبرت والسيدة رانكين من بريطانيا
– عبد الحميد هورمافيتش، رئيس الجمعية الإسلامية في وارسو – بولندا
– الكونت سيف الإسلام باربيلين أميدي، المستشرق ورئيس الأكادمية الملكية للإستشراق في نابُلي – إيطاليا
– السيدة لورا فاكليري، مستشرقة إيطالية
– عبد الباقي العمري بك، المحامي المصري المشهور وعضو الهيئة الإدارية للمؤتمر
– السيد مصالي الحاج، رئيس حزب نجم شمال أفريقيا بباريس
– درويش كوركوت، رئيس تحرير المجلة الإسلامية “غلاسنيك” في بلغراد – يوغسلافيا
– محمد قنطارديتش، سكرتير مجلس العلماء في سراييفو
– مهدي قاسم، سكرتير الشرق لجمعية الثقافة الإسلامية في فينا – النمسا
– أحمد زكي فاليدي، من الجمعية الإسلامية الثقافية في فينا – النمسا
– سردار إقبال علي شاه، مؤلف أفغاني
– علي محي الدين ميربرج، رئيس الجمعية الإسلامية الألمانية
– فان بيثيم محمد علي، رئيس الجمعية الإسلامية الهولندية في لاهاي – هولندا
– محمود بك سالم العرفاتي، القاضي السابق في المحاكم المشتركة في مصر ورئيس تحرير مجلة “عرفات” ونائب الرئيس الشرفي في الجمعية الإسلامية الغربية والجمعية الثقافية في فينا
– زكي علي، مؤسس ورئيس الجمعية الثقافية الإسلامية في النمسا وعضو مؤسس في الجمعية الإسلامية الإسبانية ونائب الرئيس الشرفي للجمعية الإسلامية الغربية
– محمد رسولوفك، سكرتير الجمعية الإسلامية في المجر.
[6] أستعمرت هولندا إندونيسيا لأكثر من مئتي سنة
[7] أثبتت آخر الإحصائية لعام 2020 أن عدد المسلمين في بريطانيا وصل إلى ثلاثة ملايين مسلم.
[8] يبلغ عدد العمال المسلمين في فرنسا أزيد من 60 ألف
[9] إحسان بن عبد القادر لطفي الجابري، ولد في مدينة حلب عام 1879 في أسرة ذات دين وعلم وجاه، أصدر في جنيف مع الأمير شكيب أرسلان مجلة (La Nation Arabe) باللغة الفرنسية للدفاع عن حقوق العرب والدفاع عن سورية، عاش قرابة 101 سنة حيث توفي في 8 مارس 1980 ودفن بالقاهرة.




