الحكم والسلطة وأحكام الميراث

الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي

أعلن رئيس الجمهورية التونسية الباجي قايد السبسي في خطاب بقرطاج بمناسبة عيد المرأة يوم 13 أوت 2018 عن اقتراح مشروع قانون على مجلس نواب الشعب للمساواة في الإرث بدلا مما نصّت عليه مجلة الأحوال الشخصية بخصوص أحكام الميراث.

ولقد أسالت هذه القضية -المساواة في الميراث- منذ ذلك الخطاب كثيرا الحبر وأحدثت لغطا وتشويشا لدى كثير من الناس، ودخل النخبة والعامة في تساؤل مشروع عند البعض وخبيث عند آخرين، وهو إن كان دستور البلاد التونسية في بنده الثاني قد حدد مدنية الدولة فلماذا هذا الإسقاط لحكم قرآني\ديني يتعلق بالميراث، وعند الآخرين إن كان البند الأول من الدستور قد أدان للشعب والدولة بالإسلام فلماذا نعترض على حكم قرآني قطعي يتعلق بأحكام الميراث؟

سأحاول في هذا المقال توضيح بعض المسائل\المفاهيم التي أشار إليها القرآن، وجوابي سوف يكون مصدره معاني القرآن الذي كثيرا ما نغفل عن إعادة وإدامة التفكير والتمعن في آياته واستخراج أسراره.

السلطة والحكم

هناك فرق بين الحكم والسلطة وفرق بين الشريعة والدستور، ولكل هذه المفاهيم منهج وفلسفة حياة تختلف تماما عن الذي تسوّقه قوى الهيمنة في هذا الزمن، ونحن لسنا بمعزل عن هذه الهيمنة الغربية وسياقاتها الفكرية والحضارية والثقافية الجوديوكريتيان أساسا.

فالحكم (في المطلق بمعنى الحاكمية) بالنسبة إلينا كمسلمين هو لله، جاء ذلك في سورة يوسف قول تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 40) وهل يُعقل أن نعبد إلها لا يَحكُم؟ وهل هناك إله لا يَحكم؟ ومن أول مقتضيات الحكم التشريع، فإن عبدنا المعبود\الله فله بالضرورة الحكم والتشريع.

ولما جاء في البند الأول من الدستور (تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها). والإسلام دينها يعني معبودها هو الله، وبالتالي تسلّم الحكم لله مصداقا لما جاء في الآية المذكورة (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) يعني الإسلام.

أما السلطة فهي للشعب تُوزّع ضمن سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية وسلطة إعلام ولوبيات ضغط وهيئات مجتمع مدني وغيرها من السلطات الحديثة. وفي حوار جرى بين الله تعالى وبين الشيطان قطع الله بأمر السلطة للإنسان لا ينازعه فيها أحد، جاء في سورة الحجر (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ 41 إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ 42) … فالإنسان له حرية الاختيار وله كامل السلطة التي قضى الربّ\المعبود أن تكون من خيار ومن صلاحية الانسان يتصرّف فيها ولا يتقاسمها الله معه.

والسلطة تستوجب تنظيما وتوزيعا للسلطات (وهي الديمقراطية في عصرنا) من حيث أن الإنسان حر في تنظيم نفسه، ومن هنا تأتي المدنية، فالدولة المدنية هي الدولة التي تكون السلطة فيها للشعب، بينما الدولة الدينية فالسلطة يحتكرها رجال الدين (الكنسية، المسجد، المعبد…) وهكذا.

إذا أدركنا الفرق بين السلطة والحكم نكون قد رفعنا الالتباس الحاصل عند كثير من الناس أن مدنية الدولة تتعارض مع الإسلام\الله (مصدر الحكم)، وهذا خطأ أوقعتنا فيه محدودية الثقافة الجوديوكريتيان (اليهودية – المسيحية) من جهة وأغفل المسلمون عن فهم\التعمق في الديمقراطية من جوانب أخرى غير المنظور الغربي للديمقراطية من جهة أخرى.

ولقد جاء مفهوم الحكم في صيغة أخرى في القرآن بمعنى القضاء (أي التقاضي بين الناس)، قال تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) وهو غير مفهوم الحكم الإلهي بمعنى التشريع، والحكم\التقاضي بالحق يكون طبقا للقوانين الجاري بها العمل لا باتباع الهوى، إذا الحكم بمفهوم التقاضي هو غير الحكم بمفهوم التشريع.

الشريعة والدستور

أما الشريعة فهي منهج الله مصداقا لما جاء في الآية (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 48) المائدة.

وهي –أي الشريعة- هي التي تفرق بين الأمم والحضارات (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) ونحن (المسلمون) نختلف عن سائر الأمم (سواء اليهو-مسيحية منها أو الوثنية أو البوذية أو غيرها) نختلف عنهم بشريعتنا أي بمنهجنا في الحياة وكذلك الأحكام الإلهية التشريعية التي منها أحكام المواريث.

أما الدستور والقوانين المفصلة فهي من صلاحية الشعب لكي ينظم سلطاته، يعني القوانين والدستور لا يتدخلون في أحكام الله، لذلك ترى قوانين الميراث ومجلة الأحوال الشخصية مثلا تجدها في نسبة تقترب من 99 بالمائة منسوخة ومنقولة عن الفقه الإسلامي (مذهب الإمام مالك عند التونسيين) ولا يتدخل الدستور والقوانين إلا في استنباط وتطبيق الأحكام والقوانين التي تنظم السلطات، لكيلا يتقاتل الناس ولكي يعم العدل والأمن والسلم الاجتماعي وحسن توزيع الثروة وغيرها من الأحكام التي مصدرها ومدارها السلطة وليس الحكم\التشريع.

إذن التفريق بين السلطة والحكم\الحاكمية (بمعنى الإلهية) أمر في غاية الأهمية والخطورة، الذي ينعكس بصفة تكاد تكون مباشرة على العقيدة وعلى الدولة وبالتالي على السلم الاجتماعي والتعايش وحسن الجوار مع العقائد والثقافات الأخرى.

فإذا قطع الدستور التونسي في بنده الأول بالديانة لله\الإسلام فأمر الحكم (الحاكمية) لله يصبح أمرا بديهيا ومُسَلَّمًا به، وبالتالي أمور الأحكام المتعلقة بمراد الله (حاكمية الله) لها أناس مختصون فيها ولا يمكن أن نسلمها إلى من لا يملك الاختصاص والعلم بالتحدث والقطع فيها. لذلك تجد مختصا في القانون الدستوري ومتشبع بأحكام الشريعة وهو الأستاذ قيس سعيّد تجده يسلّم بحكم المواريث التي وردت في القرآن ويعارض المبادرات التي تريد تغيير هذه الأحكام، لماذا انحاز الأستاذ قيس سعيّد (وغيره كثيرون) لهذا الرأي؟ ببساطة لأنه يمتلك الاختصاص والعلم الذي يمكنه من القطع في هذا المبدأ لأنه بحكم اختصاصه فهم الفرق بين السلطة (للشعب) والحكم\الحاكمية (لله).

وفي صورة وجود اختلاف بين أهل الاختصاص في تأويل\تفسير بعض آيات الأحكام، أو في صورة عدم اتفاق بين أولي الأمر (الدستور المنظم للسلطات) وبين الشريعة (الراعية لأحكام الله)، أمر الله تعالى بالاحتكام إلى الله (القرآن) ورسوله (الصحيح من السنة)، جاء ذلك مصداقا لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا 59 النساء).

وأحكام الله كلها (على قلتها) لا يتعلق أي حكم فيها بالسلطة، ولا وجود لحكم إلهي واحد له علاقة بالسلطة، فأحكام الله القطعية التي وردت في القرآن (أو السنة الصحيحة) هي أحكام لا دخل للسلطة فيها (أي لا سلطان لله أو لغيره من المخلوقات على البشر)، مثلا هل لقطع يد السارق دخل في سلطة البشر؟ أو هل لجلد الزاني\الزانية دخل في سلطة البشر؟ كلها أحكام تتعلق بصلاحيات المعبود\الله الذي أنزل شريعته على نبيه وأمر المسلمين باتباعها.

خاتمة

زعم رئيس الدولة في تونس أنه هو المسؤول على احترام الدستور (وهذا صحيح) وأنه في نفس الوقت يعلن عزمه تغيير أحكام مجلة الأحوال الشخصية (التي في أغلبها أحكام الله المتعلقة بالزواج والطلاق والعدّة والتبني والميراث، …) المتعلقة بالميراث لأنه بحسب تعبيره لا نتعامل مع النص الديني بل مع الدستور ونحن دولة مدنية والدستور واضح… فهذه مغالطة كبرى وخلط كبير وقع فيه رئيس الدولة الذي جمع حوله مستشارين من جهة واحدة (اليسار العلماني) وأقصى أصحاب الرأي الثاني الذي يرى خلاف ما يراه رئيس الدولة.

فمدنية الدولة لا تتعارض مع حاكمية الله، وأحكام الميراث (وكل أحكام الشريعة القطعية) تتماشى وتتناغم مع مدنية الدولة التي تكون السلطة فيها للشعب.

صحيح أن مشروع رئيس الدولة سوف يعرض على مجلس النواب لكي يصبح قانونا نافذا، وأن أكبر كتلة في مجلس النواب (كتلة حركة النهضة 69 نائبا من 217) إضافة إلى قوى أخرى مستقلة تُعارض هذا المشروع، إلا أن المجلس وفي ظل التجاذبات السياسية والأيديولوجية الكبرى التي تعيشها النخب السياسية في تونس، فالمحذور من السقوط في الخلط بين ما هو متعلق بتنظيم السلطات (الدستور) وبين ما هو متعلق بأحكام الله (الدين) يظل قائما ما لم يتحرك ذوو الاختصاص من العلماء والسياسيين لحشد أكبر قدر ممكن من قوى الضغط للحيلولة دون مرور هذا المشروع.

المهدي بن حميدة
في 15 أفريل 2019

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

العمر 55 سنة - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 9 ماي 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير شركة خاصة في الطباعة والتصميم والتوزيع.

أظهر كل المقالات