مسألة الكفر والإسلام في الدولة المدنية

  • المهدي بن حميدة الكاتب: المهدي بن حميدة
  • الأثنين 3 ذو القعدة 1439 الموافق لـ 16 يوليو 2018
  • 0
  • 1494 مشاهدة
خريطة الخندق-غزوة الأحزاب

عندما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام جاء بالقرآن مستعملا ثنائية الكفر والإيمان والكفر والإسلام بحسب السياق التاريخي والمجتمعي الذي وردت فيه وبحسب الظرف التي نزلت فيه تلك الآيات بدلالات مختلفة وسياقات مختلفة.

ففي المرحلة المكية جاءت كلمة الكفر قطعية الدلالة ولا تحتمل أي تأويل وهو كفر العقيدة، ولكي يبني الإسلام (كدين) أركانه على أسس عقائدية واضحة، فقد جاء القرآن صارما في موضوع الكفر، قال تعالى في سورة الكافرون (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، فالكفر هنا هو كفر عبادة وهو محدد لمعنى الدين (أي الإسلام كعقيدة).

جاء في سبب نزول هذه السورة (سورة الكافرون) أن كفار قريش عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا الله سبحانه وتعالى ويقبلوا ما جاء به بشرط أن يشاركهم في عبادة آلهتهم بعض الزمان، وقيل عرضت قريش أن يعبدوا اله محمد عاما ويعبد المسلمون آلهة قريش عاما آخر (أي عاما بعام)، فنزلت هذه السورة تقطع كل مفاوضات التوافق التي لا تفضي إلى تحقيق التوحيد الكامل لله رب العالمين وبالتالي التركيز الواضح للدين الجديد (الإسلام).

ثم في المرحلة المدنية وبعد أن تركز معنى العقيدة، تمايز الكفر عن الإيمان والكافرون عن المؤمنين، وأصبحت العقيدة الدينية محصّنة من أي اختلاط او تزييف بابتعاد المؤمنين عن مشركي قريش (بهجرتهم إلى المدينة) دون أن يندس فيهم من هم من غير المؤمنين، أصبح لمعنى الكفر سياق آخر ومفهوم آخر في إطار دولة المدينة.

ولقد دقق القرآن هذا التمايز بين المؤمنين والمشركين وكان صارما في موضوع هجرة النساء تحديدا (لظروف اجتماعية تخص مجتمع قريش) وذلك بامتحانهن واختبارهن لكي لا يقع اختلاط واندساس بين المؤمنين الذين هاجروا للمدينة، فقال تعالى في سورة الممتحنة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 10).

فثنائية الكفر والإيمان ليست بنفس دلالة ثنائية الكفر والإسلام في المرحلة المكية ثم المرحلة المدنية، ولكل ثنائية سياقاتها وتشريعاتها التي تتفرع عنها، إذ مسألة الكفر والإيمان في القرآن المدني (الذي نزل في المدينة) هي مسألة اختيارية تتعلق بالحرية الشخصية، وهي نسبية وتتغير بمعيار الزمن فيغلب الكفر الإيمان أو العكس بحسب تقدم الإيمان أو تراجعه، والدليل قوله تعالى في سورة الحجرات (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 14)، فالإسلام في هذه الآية بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والدخول في عقد المدينة (الدستور) وعقد محمد الذي عقدوه معه لكي يحصلوا على صفة المواطنة كمسلمين ولكن لم يتركز الإيمان بعد في قلوبهم.

وعندما يتعلق الأمر بالدولة وتأسيس أركان الدولة فإن مسألة الكفر والإسلام (التي وردت في أغلب النصوص القرآنية المدنية) لا تتعلق بالعقيدة الدينية، وإنما تتعلق بالمواطنة والولاء للدولة ولرئيس الدولة الذي هو النبي محمد (ص) في نفس الوقت، والدليل هو دخول اليهود (بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير) في عقد المواطنة (دستور المدينة) وإعلان الحرب على اليهود (التي فصّلها القرآن في سورة الأحزاب) لأنهم نقضوا العهد وتعاملوا مع المشركين (دولة قريش) بإيعاز وتعاون (خيانة) منافقي المدينة.

قال تعالى في سورة الحشر (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ 2) إذ استعمل الله تعالى لفظ الذين كفروا في هذا السياق بمعنى الذين نقضوا عهد المدينة أي نقضوا دستور الدولة.

أما المنافقون فهم بإعلانهم الإسلام والإيمان في نفس الوقت فقد دخلوا في عقد المواطنة (الدولة) وعقد الأخوة الإيمانية (على عكس ما يبطنون) معا ولهم قانون خاص وهو التعامل معهم على أساس أنهم مواطنون ومؤمنون ولكنهم كاذبون (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) ووجب إقامة الدليل على كذبهم وخياناتهم في كل مرة، وكل أفعال المنافقين المناقضة للإسلام والإيمان كانت تدل على نفاقهم وخيانتهم فصّلها الله تعالى في سورة المنافقون تفصيلا دقيقا وذلك بذكر أمثلة على نفاقهم.

فالمؤمنون داخل الدولة إخوة تربطهم رابطة الأخوة زيادة على رابطة الوطن التي تجمع المؤمن والكافر (يهود المدينة) ولكن الولاء لدستور الدولة هو فوق كل اعتبار، ففي الأخوة التي تربط المؤمنين قال تعالى في سورة الحشر (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ 10) وجاء في سورة الحجرات قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 10).

بينما المنافقون تربطهم رابطة الولاء لأعداء الوطن، فإخوان المنافقين هم أعداء الوطن، قال تعالى في سورة الحشر (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 11)، ففي هذا السياق ربط الله تعالى الذين كفروا بأهل الكتاب ولم يقل لإخوانهم من أهل الكتاب وإنما قال لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب، أي الذين نقضوا عهد المدينة من أهل الكتاب (يهود بني النضير)، فالكفر هنا هو بمعنى خيانة الوطن والخروج عن الولاء لدستور المدينة (عندما زار النبي ص يهود بني النضير في حصنهم، أجمعوا على اغتياله بأن يلقوا عليه صخرة من فوق السطح).

ونحن اليوم نعيش في مرحلة ما بعد مرحلة المدينة بأربعة عشر قرنا، بالتالي فإن موضوع الكفر والإسلام تجاوز مرحلة العقيدة بكثير ولا يمكن أن يكون إلا موضوع الولاء للدولة ولدستور البلاد (التي هي تونس والتي أغلب سكانها مسلمين) ولا علاقة له بالعقيدة الدينية التي هي في إطار الدولة الحديثة مسألة حرية شخصية وحرية ضمير ومعتقد.

والكافر في الدولة المدنية الحديثة (لو أردنا أن نقحم اللفظ لمقصد دلائلي) هو الذي يتعامل مع أطراف خارج دولته فيعطيهم الولاء قبل الولاء لدولته ودستور دولته وقوانين دولته.

المهدي بن حميدة
16 جويلية 2018

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

العمر 55 سنة - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 9 ماي 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير شركة خاصة في الطباعة والتصميم والتوزيع.

أظهر كل المقالات