بقلم: محمد أبو القاسم حاج حمد
قد حدد الله تعالى العلاقة التشريعية بالتجربة الدينية اليهودية طبقا للنظام الحسي القائم على التكافؤ بين خارق العطاء (شق البحر، تفجر الماء من الصخر) وبين خارق العقاب (المسخ – نتق الجبل – الصلب من خلاف) واستتباعا (السن بالسن).
في الإسلام حدد الله تعالى علاقته بالمسلم عبر مخاطبة العقل والنفس، فوضع جانبا الخطاب الحسي عبر الخوارق الطبيعية ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) ۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(37)﴾[الأنعام].
هنا مانع قطعي يحول دون إحداث الخارقة الطبيعية كما كان لموسى وقومه، فالنظام الإسلامي (System) يعتمد على أن يستهدي الناس بعقولهم وليس بالقهر الإلٰهي كمن نتق فوقهم الجبل ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ثم قسمت الآية 36 الناس إلى فريقين « إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ» والسماع عقلي وتفاعل نفسي مع رؤية الحق، والفريق الثاني « وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ» والموتى هم الطرف النقيض للأحياء الذين يسمعون بعقولهم وقلوبهم ودون آيات خارقة تخاطب الحواس وتقهرها.
الماء في الصحراء أولى به قوم محمد العطاشى من قوم موسى الذين كانوا في حالة عبور للصحراء، مع ذلك لم يستجب الله لطلبهم من محمدٍ أن يسأل اللهَ آية الينابيع: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِقَبِيلًا(92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا(93)﴾ [الإسراء].
فهنا أيضا امتناع إلٰهي قطعي عن الإستجابة لمنطق الخارقة الطبيعية التي تخاطب الحواس وتقهر الناس على الإيمان به،
فاللّه -تعالى- في النظام الإسلامي يريد الناس الذين يستجيبون بالسماع العقلي والقلبي، ولهذا ربط الله ما بين إبراهيم الذي تعرّف على ربه عبر التفكير العقلي في ملكوت السماوات والأرض وبين محمد صلى الله عليه وسلم بالرغم من وجود حقبة مليئة بأبناء إبراهيم من الأنبياء: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68]، والإشارة للذين اتبعوا إبراهيم تقتصر على السلالة ما قبل اليهودية من نسل إسحاق ويعقوب وإسماعيل التي حدد الله شخصيتها الدينية في «البقرة – الآيات من 131 وإلى 141» لمن يريد التدقيق.
حوصر المسلمون وعطشوا ولم تتفجر الينابيع وأقدم عثمان على شراء بئر وحوصر المسلمون بين حلف المشركين أمامهم وعصبة اليهود خلفهم فحفروا الخندق بعرقهم ولم يفرق ما بينهم وبين أعدائهم كشق البحر.
هذا هو جوهر الفارق بين نظامين دينيين مختلفين تمام الاختلاف في نوع الخطاب الديني من الحواس إلى العقل والقلب وفي نوع التشريع المقابل، بين ما كان قائما على التكفير إلى ما يقوم على التطهير، وقد حدد الله النظام التطهيري عبر عبودية العقل والقلب في هذا النظام الديني الإسلامي المتقدم الرائع في دعوته للصلاة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
رفع الحرج بآية التخفيف: ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ﴾ [البقرة: 178].
ثم ربط بين مبدأ التخفيف التشريعي ومبدأ التطهير فاكتملت بذلك آية نسخ القرآن للتوراة وآية نسخ المسلمين كخير أمة أخرجت للناس لآية اليهود الذين فُضّلوا من قبل، واتجه الدّين للمخاطبة العقلية والقلبية كيفما كانت البداية بإبراهيم وكيفما كانت النهاية بمحمد عليهما وعلى سائر الرسل والأنبياء الصلاة والتسليم.
بتحديد هذا النظام الديني الإسلامي المفارق للنظام اليهودي التكفيري وبعد نسخ التجربة اليهودية وجه الله المسلمين ألّا يسألوا محمدا تلك الخوارق الحسية التي كانت على عهد الإيمان اليهودي: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108].
مقال مقتبس من كتاب: الأزمة الفكرية والحضارية في الواقع العربي الراهن




