جاء في القرآن الكريم ذكر “يأجوج ومأجوج” مرتان، واحدة في سورة الكهف: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ الآية (94) والثانية في سورة الأنبياء ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ الآية (96)
والصيغة التي جاء فيها ذكر “يأجوج ومأجوج” في سورة الكهف هو أن الله سبحانه وتعالى أوردها على لسان تلك الأقوام التي خاطبت ذي القرنين، فقالوا له -أي لذي القرنين- (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، فلم يقل الله ذلك عنهم وإنما القوم الذين عاشوا في تلك الحقبة هم الذين وصفوا يأجوج ومأجوج بأنهم مفسدون في الأرض، وأن هؤلاء القوم كانوا كما وصفهم الله تعالى لا يفقهون قولا ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾.
فهؤلاء القوم الذين لا يفقهون قولا كانوا إذن مشركون لهم عقائد وثنية تعطي للأشياء وللمخلوقات والجمادات (مثل الريح والشمس والقمر والنار والبحار) تعطيهم صفة “إحيائية” تصل إلى حد التأليه والتشبيه بالمخلوقات الحية. فهؤلاء القوم الوثنيون والجاهلون هم الذين وصفوا “يأجوج ومأجوج” بأنهم مفسدون في الأرض، وكأن السامع لوصفهم يكاد يُخيّل إليه أن “يأجوج ومأجوج” أقوام من البشر أو من المخلوقات الجنية أو الشيطانية أو الوحشية التي تهاجمهم في أرضهم (بين السدين) وتمنع عنهم العيش بأمان.
ولقد قال المفسرون أن يأجوج مشتقة من تأجج، والذي يتأجج هي النار، وأن مأجوج مشتقة من الموج وهي المياه الهائجة والجارفة.
إذن فيأجوج هي الحمم البركانية التي كانت تهجم على هؤلاء القوم في مواسم متعددة، وأن الأرض التي كان هؤلاء القوم يسكنون فيها هي أرض بركانية، والدليل أن ذي القرنين قال لهم (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)، ومعدن الحديد موجود لديهم بكثرة من خلال تلك الحمم والأرض البركانية التي كانوا يسكنون فيها.
ومأجوج هي الفيضانات التي تهب عليهم وهم القوم الذين يسكنون وسط الوادي (بَيْنَ السَّدَّيْنِ)، وهم أقوام يعيشون على الزراعة، لذلك قالوا لذي القرنين (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً) أي جزء من خراجنا وهي محاصد زراعتنا.
ثم لتأكيد المعنى بأنها حمم بركانية وفيضانات، فقد زاد الله تعالى بعد أن بنى لهم ذو القرنين السد، فقال (فَمَا ٱسْطَٰعُوٓاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقْبًا) الكهف – 97. أي لم تسطع الفيضانات أن تظهره أي تطلع فوق السد وتعلوه، ولم تستطع الحمم البركانية أن تثقب السد بلهيبها ونيرانها، ولم يقل الله فما “استطاعوا” في الحالتين، بل قال فما “اسطاعوا” في الفيضانات (لأنها أقل من الحمم البركانية) وما “استطاعوا” في الحالة الثانية أي الحمم البركانية لأنها أشد قوة.
إذن فلا هي مخلوقات بشرية ولا وحشية ولا شيطانية ولا جنية ولا أي شيء من الخرافات والخزعبلات التي مُلئت بالحشو الإسرائيلي في كتب التفسير عندنا.
ولتقريب المعنى لدينا وشرح هذه “المخلوقات”، فقد أعاد الله استعمال نفس اللفظتين “يأجوج ومأجوج” في آية أخرى من سورة الأنبياء وذلك للإشارة والمساعدة على الفهم، ولكن التأثير اليهودي والإسرائيلي لدى القدماء من السلف عندنا كان فوق الخيال، ولقد وقع المسلمون في عصر التدوين (العصر الذي كتبت فيه تلك التفاسير) وقعوا في حب أهل الكتاب من يهود ونصارى فأصبحوا ينقلون عنهم الغث والسمين بدون عقل، بحيث عُمّيت علينا الآية التي جاء فيها ذكر “يأجوج ومأجوج” في سورة الأنبياء، لما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ الآية (96) جاء ذلك في سياق ذكر أهوال يوم القيامة التي أطال الله في شرح معالمها ومواصفاتها في سور وآيات أخرى متعددة.
ومن أبرز مواصفات يوم القيامة أن قال الله فيها في الآية 3 من سورة الانفطار (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) وهي الفيضانات، وكذلك الآية 6 من سورة التكوير ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أي اشتعلت وصارت لهيبا وحمما، كما وصف الله تعالى الأرض يوم القيامة بأن قال في الآية 48 من سورة إبراهيم ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وهذا ينطبق تماما على ذكر “يأجوج ومأجوج” يوم القيامة عندما قال ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ أي صارت الفيضانات والحمم البركانية والنيران المشتعلة تأتي من كل حدب تتوالد وتتناسل وتكبر وتكثر حتى تعم كامل الأرض فتُبدّل الأرض وكذلك السماوات على غير الصورة التي نعرفها.
طبعا لا أريد أن أنقل كل تلك الأمثلة في وصف “يأجوج ومأجوج” والتي ملئت كتب التفسير، إذ يستحي امرؤ عاقل من أن يقرأها فما بالك بأن ينقلها، ولكن لإثبات “التهمة” عن “الإبداع الإسرائيلي” في ذكر مثل تلك المرويات والخرافات التي سيطرت على العقل المسلم طيلة 10 قرون، فسوف أنقل مثالا واحدا جاء نقلا عن أكبر مسلمة اليهود وهو كعب الأحبار.
جاء في تفسير معنى “يأجوج ومأجوج” ما قاله كعب (وإذا وجدت في كتب التاريخ والتفسير عن كعب فاعلم أنه كعب الأحبار وهو يهودي يماني أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم)، قال: هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم…. والمصيبة أن المسلمين نقلوا هذا الكلام عنه وكتبوه إلى أن وصل إلينا اليوم بعد أزيد من 10 قرون وهذه الخزعبلات والخرافات موجودة في كتبنا بنسبة لا يُستهان بها.
المهدي بن حميدة
لوزان في 27 مارس 2022




