المشهد الحزبي في تونس خلال القرن الـ20 وانعكاساته على مستقبل البلاد

  • المهدي بن حميدة الكاتب: المهدي بن حميدة
  • الجمعة 14 ربيع الثاني 1443 الموافق لـ 19 نوفمبر 2021
  • 0
  • 1190 مشاهدة
تونس المدينة بطهور جامع الزيتونة من خلال مشهد من الطائرة التُقط سنة 1912

سوف نستعرض في هذه الدراسة أصول الحركة الوطنية في تونس ومرجعيتها الحزبية والسياسية التي أثّرت على المشهد الحزبي العام طيلة القرن الماضي وبداية هذا القرن وما أثره ذلك على مستقبل تونس السياسي والثقافي الحالي.

إن أول وأعرق الحركات السياسية والاحزاب الوطنية تشكلا في تونس هي:

  1. الحزب الحر الدستوري التونسي، تأسس على يد الزعيم عبد العزيز الثعالبي[1] في شهر مارس وأعلن عنه في جوان 1920.
  2. الحزب الشيوعي التونسي، الذي تأسس على إثر تأسيس الفرع الفيديرالي للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي تحول مع مؤتمر تور المنعقد في 1919 إلى الفرع الفيديرالي الاشتراكي التونسي، وفي سنة 1920 ومن استتباعات مؤتمر تور تأسست أول نواة شيوعية في تونس، وهو فرع الأممية الشيوعية.
  3. الحزب الاشتراكي الدستوري، والذي تأسس بانفصاله عن الحزب الحر الدستوري التونسي يوم 2 مارس 1934 على يد زعيمه الحبيب بورقيبة، واتخذ له هذا الاسم في مؤتمر بنزرت في أكتوبر 1964 بعد أن تبنى الخيار الاشتراكي.

وباقي الأحزاب، بما فيها حركة النهضة، التي هي على الساحة الوطنية التونسية اليوم كلها منحدرة أو منشقة عن إحدى الحركات الأيديولوجية والسياسية الثلاثة الأم المذكورة أعلاه، وقبل أن نفصل في تفريعات الأحزاب ومرجعية كل حزب وعلاقته بالحركة الوطنية الأم، لنبحث عن الخلفية الأيديولوجية والسياسية و”المشروع” الوطني والسياسي لكل من هذه الحركات الثلاث.

الحزب الحر الدستوري التونسي:

أسس الزعيم عبد العزيز الثعالبي في 15 مارس 1920 الحزب الحر الدستوري التونسي، والذي لف من خلال تأسيسه لهذا الحزب كل رجال البلاد ونساءها ومثقفيها وعلمائها من أجل تثبيت حركة تحرر وطني بالبلاد تقوم على دعائم الهوية والدين والثقافة والحضارة والتاريخ من أجل طرد المستعمر الفرنسي الأجنبي ومواصلة مشوار الإصلاح والنهوض الذي ابتدأه سالفوه من رجال الإصلاح خلال القرن التاسع عشر.

ويُعتبر الحزب الحر الدستوري منذ ذلك الحين إحدى كبرى المرجعيات الحزبية والوطنية في تونس التي منها تفرعت الحركة الدستورية بزعامة الحبيب بورقيبة وغيرها من الحركات الإصلاحية زمن الاستعمار وبعده، ولقد سمحت موجة التحرر والانعتاق على إثر مبادئ ويلسون[2] والتي ركز فيها على 14 مبدأ للسلم وانعتاق الشعوب ولإعادة بناء أوروبا بعيد الحرب العالمية الأولى المنتهية سنة 1919 سمحت لزعماء الحركة الوطنية والنخبة الملمة بالواقع الوطني والأوروبي باستغلال هذه المبادئ لتعلن عن مطالبها في التحرر والانعتاق…

ولقد حاول الشيخ عبد العزيز الثعالبي، ذو المرجعية الزيتونية، تلخيص مطالب ثلة من رفاقه وإخوانه في كتاب سماه “تونس الشهيدة” والذي ترجم عند كتابته إلى الفرنسية بالتعاون مع المحامي التونسي احمد السقا وطبع ونشر في فرنسا ليطلع الرأي العام الغربي بفظاعات الاختلال ويطالب من خلاله بحق الشعب التونسي في تقرير مصيره…

هذا وقد سعى الشيخ عبد العزيز الثعالبي من خلال هذا الكتاب\المشروع إلى التوفيق بين مختلف الآراء التي كان يمثل الشق المتشدد فيها محمد باش حامبة، أثناء إدارته لمجلّة المغرب « La Revue du Maghreb » بجنيف من سنة 1916 إلى 1918[3]، والذي كان يطالب بالاستقلال التام (الداخلي والخارجي) وإقامة حكومة تونسية وإلغاء الحكم الملكي، والشق المتراخي كان يمثله حسن قلاتي (زعيم الحزب الإصلاحي فيما بعد) والذي كان يدعو لإقامة حكومة في ظل الاحتلال، ومسك الثعالبي العصا من الوسط بدعوته لإنشاء دستور تونسي وفصل السلطات وإقامة حكومة وطنية وضمان الحريات وإجبارية التعليم. فأصبح بذلك مشروع وبرنامج الحركة الوطنية ولمدّة عدّة سنوات وينحصر في المطالبة بإصلاحات في نطاق الحماية (الاستعمار)، وتتمثل هذه الإصلاحات في النقاط التّسع التالية:

  1. مجلس تفاوضي مشترك بين التونسيين والفرنسيين، يملك حقّ وضع جدول أعماله.
  2. حكومة مسؤولة أمام هذا المجلس.
  3. الفصل بين السّلط التشريعية والقضائية والتنفيذية.
  4. قبول التونسيين في جميع الوظائف العامة إذا استوت الكفاءات.
  5. التساوي المطلق في المرتّبات بين التونسيين والفرنسيين.
  6. إحداث مجالس بلدية في جميع المراكز التونسية يكون انتخابها بالاقتراع العام.
  7. مشاركة التونسيين في ابتياع الأراضي الدولية المخصّصة للمعمّرين.
  8. حرية الصحافة والاجتماع والتجمّع.
  9. التعليم الإجباري العام.

هذا ولم تدم هذه النفحة التحررية بعد الحرب العالمية الأولى طويلا حتى فهم التونسيون أن مبادئ الرئيس الأمريكي ولسن كان المقصود بها هو تحرر الشعوب الأوروبية وإعادة بناء أوروبا دون المساس بالمستعمرات الفرنسية والبريطانية، وقوبلت الحركة الوطنية الأم (الحزب الحر الدستوري التونسي) بالمصادرة ومتابعة ونفي زعمائها فنشأ، بدسائس المقيم العام الفرنسي لوسيان سان، الانقسام الداخلي وتأسس الحزب الإصلاحي سنة 1921 على يد حسن قلاتي ثم الحزب الدستوري المستقلّ على يد فرحات بن عياد سنة 1922 ونُفي الثعالبي إلى الشرق سنة 1923…

الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد :

في ظل غياب زعيم الحزب الشيخ عبد العزيز الثعالبي نشب خلاف بين القيادات التقليدية للحزب والقيادات الشابة العائدة بعد انتهاء دراستها في باريس والمتشبعة بالمبادئ الأوروبية، وفي هذا الخلاف والانتقال من الحزب الحر الدستوري القديم إلى الحزب الحر الدستوري الجديد يكمن جوهر الإشكال الفكري والثقافي والمرجعي للنخبة التونسية والذي يسدل بظلاله على الحياة السياسية التونسية هذه الأيام وساهم إلى حد كبير في تشكل ثنائية فكرية وثقافية قسمت النخب التونسية وبالتالي الشارع التونسي إلى شقين، يتوسطهما شق ثالث وهو الشق الشيوعي الذي سنفصل فيه في النقطة الثالثة من هذا التشخيص.

تعود الجذور البعيدة لهذا الخلاف بين الشق القديم والشق الجديد في الحزب الحر الدستوري التونسي إلى صدمة الاحتلال وحلول الاستعمار الفرنسي بجيوشه وعتاده على البلاد التونسية في شهر ماي من سنة 1881، وبذلك تحول الاحتلال المتوقع لتونس إلى أمر واقع والحال ان الاحتلال الفرنسي لتونس صار متوقعا بعد أن احتلت الجزائر سنة 1830، فتكونت لدى التونسيين نفسية انهزامية بتضاؤل شان الشرق الفاتر أمام صولة الغرب الناهض.

ومع وصول أنباء هزائم الامبراطورية\الخلافة العثمانية ووصفها بـ”الرجل المريض” في واقعة نافارين[4] سنة 1827، والتي شاركت فيها أساطيل جزائرية وتونسية اكتمل ذلك مع انتصارات الغرب المستعمر، ألقي في نفوس التونسيين وانعكس ذلك على تصرفاتهم وأفكارهم ومس حتى من عقائدهم في بعض المناسبات، فتكونت عقدة الاستعلاء لكل ما هو غربي فرنسي بالتحديد في مقابل عقدة الانهزام والسقوط لكل ما هو شرقي عربي وحتى إسلامي وهنا مكمن كل الأمراض والأورام التي اصابت نخبنا وانعكست على الأهالي وهي معضلة لا تزال تنخر نخبنا وأحزابنا إلى اليوم.

يصف الشيخ الفاضل بن عاشور هذه النفسية في مقطع من كتابه “الحركة الأدبية والفكرية في تونس” المنشور سنة 1956 فيقول: «وعلى رجة تلك الأحداث الهائلة، التي سبقت احتلال فرنسا لتونس بخمسين عاما (احتلال الجزائر) نهض المجتمع التونسي مبهوتا ينظر حواليه، فرأى صور الحياة المألوفة قد انقرضت وبدلت الأرض غير الأرض، فقد استبدل اللّباس العربي باللّباس الأوروبي وأصبحت التشكيلات العسكرية والسلطات الملكية في لباسها ونظامها وآلاتها ومصطلحاتها ذات مظهر غربي مخالف لمظهرها الشرقي القديم، وطلعت المصنوعات الأوروبية بعجيب الاختراع والإتقان والصنع وجمال الذوق.

وتكاثرت الجاليات الأوروبية وازدهرت مظاهر وجودها حتى نِات في مدينة تونس ينطق عمرانها وزهرتها وبهجتها بالبون الشاسع بين بؤس الحياة الأهلية ونعمة الحياة الأوروبية التي لم يستطع اللحاق بها إلا كبار المثرين وعظماء الحكام، وظهر الأطباء والصيادلة والمهندسون الغربيون بمظاهر تفوقهم في العلوم الطبيعية وسُبقهم في ميدان الحياة العلمية، وفاضت على البلاد الثروات الأجنبية بسعة معاملاتها وقوانينها الغربية المغرية، وبدأ نظام الدولة في الإدارة والقضاء يتطور بالاقتباس من الأساليب الغربية وترك ما كان سائدا من الحكام الشرعية والتقاليد القومية».

هذا المقطع إضافة عن الوصف فهو يعكس نفسية الكاتب نفسه وانبهاره بمظاهر الحياة الغربية التي ليس لتأثيرها على التونسي والعربي عموما منازع إلى يومنا هذا، ويضيف الكاتب ما خلفته صدمة الاحتلال في الشعب التونسي فيقول: «فتفرّق أثره بين عنصرين من المجتمع:

  • – عنصر مستسلم، وطّن النفس على الاقتناع بتفوق هؤلاء الدّخلاء وأخضع حياته لسلطان حياتهم، فتطلّع إلى الأخذ بما هم عليه من ثروة وبهجة أو لذّة على قدر ما تسمح به وسائله.
  • – عنصر نافر متبرّم، استحكم في نفسه السّخطُ واليأسُ فرأى في هذا الطور الجديد مظهرا من مظاهر فناء الدّين وانقراض الخير وغلبة الشرّ وقرب الساعة فأقبل يضم أذياله عن المساس بتلك الحياة ويجعل أعظم نجاحه في السلامة من غوائلها».

ويزيد الكاتب في مقطع آخر يصف بالتدقيق آثار الاستعمار على التعليم والمدنية للمواطن التونسي فيقول: «…فأصبحت اللغة الفرنسية الأداة للتعليم التونسي وسدّت الوسائل (الوظائف) على من لا يتعلّمها دون الوصول إلى تكوين ثقافة حيّة، وبذلك انهار الكيان الثقافي للبلاد انهيارا تاما زاد عليه ما طغى على النفوس من روح الهزيمة والشّعور بالنقص وتلاشي المثل القومية…»

لماذا ركزت على هذه النقطة من الانهزام النفسي والحضاري امام المستعمر التي أشار إليها مطولا الشيخ الفاضل بن عاشور وهي تحصر حسب اعتقادي جوهر الإشكال النفسي والفكري والحضاري والثقافي الذي كان وراء الانقسام داخل الحزب الحر الدستوري بين فئتين من النخبة المثقفة في بداية القرن الماضي، زاد على ذلك العامل الدراسي والتعليمي الذي لعب فيه المستعمر دورا أساسيا في جر البلاد والنخبة إلى المستنقع الغربي والذي مازالت تتخبط فيه بلادنا إلى اليوم وبعد قرابة الستين سنة من معاهدة الاستقلال في 20 مارس 1956.

جذور الصراع الذي أدى إلى انعقاد مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934

بعد خلافات عميقة بين زعماء الحزب الجدد والشيوخ المؤسسين وفي غياب المؤسس الأول للحزب وزعيمه (الشيخ الثعالبي) الذي كان في منفاه في الشرق، انفجرت أكبر قضية أحرجت السلطات الفرنسية كما أحرجت معسكر “المتدينين” داخل الحزب ألا وهي ما عُرف بقضية “التجنيس”، والتي سوف أنقل ما كتبه احد زعماء الحركة الوطنية المناضل علي البلهوان[5] في كتابه “تونس الثائرة” ثم أعود لأحلل طبيعة الصراع وخلفياته.

اختصر علي البلهوان شهادته حول الخلافات بين الشباب والشيوخ داخل الحزب في الفقرات التالية: “مرّت بتونس، بعد سفر الثعالبي، فترة ركود دامت أعواما قليلة حتى رجع جماعة من الشباب القومي النشيط من فرنسا حيث أتموا دراستهم ومن بينهم الأستاذ الحبيب بورقيبة الذي امتاز بشخصية قوية وإرادة فعالة وفكر واضح جلي واجتمع هؤلاء الشبان حول جريدة “صوت التونسي” التي أصدرها الأستاذ الشاذلي خير الله عام 1929 ووجدوا مجالا واسعا للعمل عندما صادف انعقاد “المؤتمر الأفخارستي” سنة 1930[6]، وقد اعتبره الفرنسيون حملة صليبية جديدة ومقدمة لفرنسة التونسيين بطريق التنصير وقررت سلطات الاحتلال إقامة الحفلات في تلك السنة بمناسبة مرور 100 سنة على احتلال الجزائر وخمسين سنة على احتلال تونس.

فجرّد الشباب أقلامهم وشنوا حملات قوية شديدة على الاستعمار ونواياه والتف الشعب حولهم مؤيدا ومؤازرا ومتحمسا لهم لما قدمتهم الإقامة العامة للمحاكمة لأجل مقالاتهم بجريدة “صوت التونسي” فتحرك الشعب دفاعا عن خيرة شبابه ونظم المظاهرات في اكبر مدن المملكة وخاصة أمام المحكمة الفرنسية حيث رُفع الحبيب بورقيبة على الأكتاف، ولما رأى المقيم العام مونصيرون [7] هذا التضامن القوي عدل عن المحاكمة ولكنه أصدر أوامر استثنائية جديدة لتشديد ما كان أصدره المقيم العام السابق لوسيان سان[8] من قبل.

وفي شهر نوفمبر 1932 أسس الأستاذ الحبيب بورقيبة جريدته الشهيرة “العمل التونسي” فالتف حوله أقوى العناصر الوطنية واخذ حالا يهاجم قانون التجنيس الذي أصدرته الحكومة الفرنسية تحت تأثير بول بانكور[9] سعيا وراء فرنسة العباد والبلاد وأبان بإيضاحه المعهود ما في هذا القانون من خطر جسيم على كيان الشعب التونسي العربي المسلم، فلجأت فرنسا إذ ذاك إلى رجال الدين ليؤازروها في القضاء على شعب كامل، فأصدروا بالفعل فتوى ادعوا فيها أن المتجنس لا يعد كافرا ويجوز دفنه في مقابر المسلمين.

فصدع الحبيب بورقيبة بأن هؤلاء الرجال خونة يتاجرون بالدين ولا يمثلون الإسلام والمسلمين ووجه نداءاته للشعب ليدافع عن مقابره، فهبّ الشعب لندائه. ولما مات عدد من المتجنسين في مختلف أنحاء القطر احتلت الجماهير المقابر للذود عنها ومنعوا القوات العسكرية الفرنسية من دفن هؤلاء المتجنسين بها وكثرت هكذا المصادمات الدامية وخاصة بمدينة المنستير حيث استشهد عدد من الوطنيين وجرح منهم عشرات.

ولما رأى أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري نشاط هؤلاء الشبان ومقدرتهم والتفاف الشعب حولهم عقدوا مؤتمرا للحزب بين 12 و13 ماي 1933 وقرر المؤتمر بالإجماع قبول هيئة جريدة “العمل التونسي” في اللجنة التنفيذية كما قرر تحت تأثير هؤلاء الشبان أن سياسة التفاهم مع فرنسا قد فشلت فشلا ذريعا بعد تجربة دامت سنوات طويلة وان غاية الحزب التي يعمل لتحقيقها هي تحرير البلاد ومنحها دستورا يحفظ شخصيتها ويحقق لها سيادتها بين الأمم المتمدنة المتحكمة في مصيرها.

ولم يدم الوئام داخل اللجنة التنفيذية للحزب بين عناصر الشباب والناشط الجدي وبين الشيوخ المؤسسين للحزب، بل احتد الخلاف واستفحل لأتفه الأسباب ولم يمكن حسمه فاجتمع إذ ذاك مؤتمر عام نظامي للحزب بمدينة قصر هلال في 2 مارس 1934 ليكون حكما بينهم، وحضره رجالات الحزب ونواب عن كافة فروعه ومنظماته وتيقن إذ ذاك شيوخ الحركة أنه أُسقط في أيديهم وأن الأغلبية الساحقة مع الشبان العاملين فامتنعوا عن الحضور، وانتخب المؤتمر هيئة إدارية جديدة سميت بـ”الديوان السياسي” واختار الأستاذ الحبيب بورقيبة أمينا عاما للحزب، وسمي الحزب الحر الدستوري التونسي منذ ذلك العهد بالدستور الجديد أي المتجدد، كما أُطلق اسم الدستور القديم على جماعة الشيوخ الذين أبوا حضور مؤتمر قصر هلال”[10].

نقلتُ هذه الشهادة من أحد رجال الحركة الوطنية التابعين لبورقيبة وفيما يلي موقف وتوضيح شيخ الإسلام المالكي محمد الطاهر ابن عاشور حول فتوى التجنيس.

حكم التجنس أو فتوى التجنيس

لقد فصّل الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الموضوع حول قضية التجنيس والتهم التي كالها إليه “خصومه” في تلك الفترة بشنهم “حملة إعلامية” عليه واتهامه بالخيانة، وأوضح أن الفتوى التي كان أصدرها المجلس الشرعي المالكي تختلف عن التي أصدرها المجلس الشرعي الحنفي، وأن التهم بجواز المتجنس دفنه في مقابر المسلمين باطلة ومغرضة، والنص التالي الذي أورده في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” كاف بتوضيح هذه القضية:

التجنّس: الحصول على جنسية، وأصله فهو مطاوع للأول، والتجنيس والجنسية هي الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو لأمة.

وحكم التجنس، أو فتوى التجنيس، قضية شاعت في البلاد التونسية وشغلت الناس كلهم بداية من العقد الثاني للقرن العشرين، وسببها في حقيقة الأمر موقفان متناقضان متدافعان: موقف المحتل الأجنبي الفرنسي، وموقف المناضل المكافح التونسي.

يدعو الأول إلى تكثير سواده في البلد بإدخال العناصر الكثيرة المتساكنة بتونس من إيطاليين ومالطيين ويهود وغيرهم في جنسيته ليكونوا فرنسيين، وفي صفه، ويفتح الباب على مصراعيه لتحويل السكان الأصليين العرب عن قوميتهم والإنعام عليهم بجنسية الحاكم المغتصب، وشرعت لهذه الغاية قوانين التجنس: الأول الصادر بتونس في 3/ 10/ 1910، والثاني المؤرخ في 20/ 12/ 1920. ثم محاولة التجنيس بصفة أوسع وأشمل في 1933 للسيطرة على كل المؤسّسات والهيئات النيابية وبالزيادة الملموسة في مرتبات حاملي الجنسية الفرنسية بتونس من أصحابها ومن الملحقين بهم.

ويتولّى الثاني الدفاع عن بلده والذود عن حوضه وبذل كل الوسائل واستخدام كل طرق المقاومة والكفاح من أجل أن يبقى وطنه محافظاً على هويته، متميزاً بقيمه وعاداته وتقاليده، وعقيدته وشرعه ونظامه، غير قابل للاستلحاق ولا للذوبان في الغير مهما كان هذا الغير.

وسبق كل تدبير كيدي من الفئة الأولى ما روّجته الفئة الثانية عن المتجنس من كونه مفارقاً للجماعة، فاراً من الأحكام الشرعية إلى الأحكام الأجنبية، مرتداً عن الإسلام، لا ينبغي أن يعامل معاملة المسلمين ولا أن يدفن في مقابرهم.

وحين أيقن الفرنسيون بقصورهم عن تحقيق رغبتهم والوصول من وراء قوانين التجنيس إلى هدفهم قرروا استعمال الحيلة. وجرت مشاورات بين المقيم العام ممثل فرنسة، والباي حاكم البلاد، والوزير الأكبر للحكومة التونسية.

وتقدم الجانب الفرنسي عن طريق الوزير الأكبر باقتراح استصدار فتوى في التجنيس من المجلس الشرعي بقسميه الحنفي والمالكي تسهيلاً لإقبال التونسيين على الدخول في الجنسية الفرنسية.

ونص السؤال المطروح على المجلس الشرعي: إذا اعتنق شخص جنسية يختلف تشريعها عن أحكام الشريعة الإسلامية، ثمّ حضر لدى القاضي الشرعي ونطق بالشهادتين، وأعلن أنه مسلم، وأنه لا يرتضي غير الإسلام ديناً، هل يحق له طول حياته أن ينتفع بنفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المسلمون؟ وهل يحق له بعد وفاته أن تُصلى عليه صلاة الجنازة، وأن يدفن في مقبرة إسلامية؟ ما من شك في أن هذا السؤال قد تسرّب إلى أوساط كثيرة، ولمّا تقعِ الإجابة عنه من طرف فقهاء الشريعة، وقد أثار مع الغموض إشاعات عديدة منها: أن الحكومة (الفرنسية) ضغطت على المجلس الشرعي لإصدار فتوى موالية للمتجنسين ولفائدتهم، كما حملت الأنباء صحفَ المعارضة الصادرة يومئذٍ بالفرنسية: العمل التونسي، وصوت الشعب، وصوت التونسي، على إطلاق صيحة الفزع منذرة بأن الجنسية التونسية أصبحت مهدّدة بالخطر، وأن عملية التجنيس سوف تستشري بسبب ما روّجته العامة من احتفاظ المتجنّسين بحقوقهم كمسلمين.

ومن ثم استطاعت الصحف الوطنية بواسطة الحملة الصحفية التي نظمتها إثارة الرأي العام التونسي، وبث روح المناهضة للمسلمين المتجنسين بصورة تكاد تكون جماعية. ومثل هذه الحملة التي أُسقط بها ما بأيدي الفرنسيين، وقضت بالانتصار عليهم، قد مسّت بشدّة وعنف أعضاء المجلس الشرعي، وبخاصة الإمام الأكبر، لترويج المعادين له والمتحاملين عليه بأنه كان متعاوناً مع الاستعمار وموالياً له في قضية التجنيس.

وربما كان في مثل هذا التصرّف تخييب لآمال المستعمرين بما نتج عن هذا الموقف العدائي من فجوة عميقة وبُعدِ شقّة بين الأمة وقادتها العلماء، فلا ينفع المستعمر بعد ذلك الالتجاء إليهم، أو سدّاً لطريق انزلاق الفقهاء وراء استفتاء الإقامة العامة بما يعزّز موقفها ويكون حرباً على الحركة الوطنية وأصوات المعارضة.

وجدَّت أحداث كثيرة فحيل بين المتجنسين وبين دفن موتاهم في مقابر المسلمين. وكان الإضراب العام الذي أغلقت بسببه الأسواق والمحلات التجارية يوم 14/ 12/ 1351 الموافق 8/ 4/ 1933، احتجاجاً على ما تخيّلوه أو توقّعوه من صدور فتوى التجنيس أو فتوى توبة المتجنس عند المجلس الشرعي. وكان إضرابُ طلبة الجامع الأعظم عن الدروس. وانتشر الاستنكار الشعبي في أطراف البلاد، وتظاهرت جماهير المواطنين أمام قصر الباي بحمام الأنف إعراباً عن استيائها من فتوى التجنيس.

وتضاربت السياسة الوطنية ودارُ الشرع بسبب ما لفّق من أخبار وادعي من تصرّفات لم تكن قائمة إلا في أذهان المتوهّمين والحمقى من الناس. وكادت تستعر نار الفتنة بين أفراد طبقات الشعب. وتحوّل الصراع فيما بين المستعمر والمواطنين إلى ما كاد أن يقضي على وحدة الشعب وتماسك طبقاته وأفراده. وما هي إلا فترة حتى رفع الحجاب عن حقيقة تلك الفتوى، وظهرت للتونسيين فتوى عامة تحملُ في سطورها ونصوصها مواقف التأييد والمناصرة للشعب، والرفض لما كان يلتمسه المستعمر من الشيوخ من تيسير التجنيس وتسهيل أمره، بضمان حقوق للمتجنسينَ قد تنازلوا عنها بتجنّسهم وابتغائهم الانتساب إلى أمة غير أمتهم ووطن غير وطنهم.

وشاهدُ ذلك أولاً ما أجاب به فقهاء الحنفية بالإثبات في جواب مختصر على صيغة الاستفتاء المذكور أعلاه. واختلفت فتوى الدائرة المالكية عن فتوى الدائرة الحنفية إذ أضافت إلى وجوب النطق بالشهادتين لدى القاضي الشرعي التصريحَ في الوقت نفسه بأن (المتجنس) يتخلّى عن الجنسية الجديدة التي اعتنقها، وتضيف فتوى المالكية في تقرير مونصيرون: “ولا يهم كثيراً بعد ذلك لو احتفظ بالجنسية التي اعتنقها وبقي خاضعاً لقوانينها إذا ما تعذر عليه التخلّص منها”. وزاد أحد أعضاء المجلس الشرعي من المالكية: “ينبغي أن تتمثل توبة المتجنس في الإقلاع عن الامتيازات التي تحصّل عليها بموجب جنسيته الجديدة”.

وعقَّب صاحب التقرير على هذين النصين من فتوى الأحناف وفتوى المالكية بقوله: “لكن فتوى المالكية تجعل من المستحيل الإقدام على نشرهما”، وفي هذا تبرئة للعلماء مما ألحق بهم، وتجنيب لهم مما وُصِمُوا به، وهذه شهادة من خَصمٍ لم يتمكن من الاستفادة من فتوى التجنيس أو ردة المتجنس، فأسرّها ولم يعلنها إلا في التقرير الذي رفعه إلى وزير الخارجية الفرنسي في ذلك العهد.

وكما جاءت الشهادة بهذه البراءة والتقيّد بالملة والدين آل رجال الشرع على أنفسهم قولَ الحق وخدمةَ دينهم، فظهر الجواب حول جواز ردة المتجنّس بشروط ذكروها استحال معها استغلال هذه الفتوى حسب المصادر الاستعمارية نفسها، ويضيف د. الغالي: ولكن الإشاعة الكاذبة روّجت لهذه الفتوى ونسبتها للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور للنيل من منزلته العلمية، وتعطيل جهوده الإصلاحية، والحدّ من إشعاعه[11].

حيثيات الخلاف ومحاولات رأب الصدع

بإمكاني تشبيه حادثة فتوى التجنيس، التي أثارها “الشباب”، بحادثة رفع المصاحف على أسنّة السيوف في موقعة صفين[12] لمّا رأى معاوية بن أبي سفيان انتصارات جيش علي على جيشه، دعا عمرو بن العاص إلى خطّة للوقوف أمام هذه الانتصارات، فقام عمرو بن العاص بخدعة، حيث دعا جيشُ معاوية إلى رفع المصاحف على أسنّة الرماح، ومعنى ذلك أنّ القرآن حكم بينهم، ليدعوا جيش علي إلى التوقف عن القتال ويدعون علياً إلى حكم القرآن، وتوقف القتال وعاد الكل إلى بلده.

ليس معنى هذا أن شق “الشيوخ” كان منتصرا على شق “الشباب”، ولكن بورقيبة أراد إحراج شق “الشيوخ” الذي ما فتئ يستعمل الخطاب الديني لتعبئة الشعب، فاستعمل بدهائه “سلاح الدين” لكي يحاجج به معارضيه داخل الحزب، فقضية التجنيس قضية مفتعلة[13]، لأن جل التونسيين مجمعون على تجريم التجنيس[14]، وهي “حملة إعلامية” استعملها بورقيبة ليوجه ضربة إلى الشق الآخر من الحزب، إذ أن الخلاف بين الشقين أعمق من ذلك بكثير وهو خلاف يعود إلى أسباب مباشرة وأسباب غير مباشرة سوف أحاول ان ألخّصها فيما يلي.

يظهر من خلال الوثائق التي نشرها الحزب، في كتيّب طبع سنة 1962 وبمناسبة مرور 28 سنة على انعقاد مؤتمر قصر هلال، أن الحيثيات المباشرة للخلاف تتعلق بطُرق تسيير الحزب، مثل عدم استشارة القواعد الحزبية في مسائل يعتبرها أعضاء اللجنة التنفيذية، وعلى رأسهم السادة أحمد الصافي (الأمين العام للحزب) ومحي الدين القليبي (مدير الحزب)، من مهام القيادة التنفيذية، كما أنه لم تكن هناك شفافية تامة في المسائل التي تتعلق بجمع الأموال وصرفها داخل الحزب[15] وظلت الحسابات المالية متعلقة برأس القيادة الحزبية دون سائر أعضاء اللجنة، وقد ظهرت هذه الحيثيات وطفت على السطح بعد التحاق المجموعة الشبابية المتمثلة في محمود الماطري والطاهر صفر والبحري ڤيڤة والأخوين محمّد والحبيب بورقيبة في مؤتمر 1933. كما أن التشدد من قبل الشيوخ القدامى تجاه المجموعة الشبابية الملتحقة بالقيادة التنفيذية جعلت الشكوك وتقاذف الاتهامات يصدر من كلا الطرفين.

كما تتهم المجموعة الشبابية مجموعة الشيوخ بعدم مصارحة الدستوريين بما يدور في كواليس السياسة ومحتوى الاجتماعات التي تعقدها اللجنة التنفيذية مع الحكومة من جهة ومع البرلمانيين والسياسيين الذين تجتمع بهم الوفود الحزبية المرسلة إلى باريس من جهة أخرى، ولقد عبّر الحبيب بورقيبة عن هذه السياسة التي توخاها الشيوخ في خطابه الذي ألقاه بمؤتمر قصر هلال، والذي حاول من خلاله شرح الفوارق في طرق العمل بين الفريقين فقال ” أما الأسباب الحقيقية فهي التباين في الطريقة التي نريد السير عليها والطريقة التي اتخذتها الجماعة القديمة، والتي لا تريد عنها بديلا وهي طريقة التكتُّم على الشعب مع التزلف للحكومة، ويظهر ذلك جليا عندما ذهب إلى باريس وفد متكون من أربعة أفراد منهم الأستاذ أحمد الصافي وقد نشر كتابا باللغة الفرنسية ليُوزّع على النواب الفرنسيين وذوي النفوذ والسلطة في شرح المطالب الدستورية إذ ذاك فتبرّأوا في ذلك الكتاب المطبوع من الوطنية وكتبوا في صراحة تامة وبحروف كبار (نحن لسنا بقوميين) (Nous ne sommes pas des nationalistes)، ثم كتبوا عند الكلام على أساليب المقاومة بالحزب: أن الحزب الحر الدستوري التونسي الذي يمثل أغلبية السكان بالمملكة يتخذ في عمله أسلوبا واحدا ألا وهو المفاهمة مع أرباب السلطة في دائرة القانون الضيق جدا، فكانت النتيجة أن الحكومة لم تعطهم أدنى ترضية لأنها تفطّنت إلى أنهم مُراوغون”[16]. ولعل الذي أجّج نار الخلاف والفتنة والانشقاق بين الطرفين هو المقيم العام الفرنسي الجديد (Marcel Peyrouton) الذي تسابق كلا الطرفين للجلوس معه وكسب وده، مما عمّق الأزمة والخلاف.

زد على هذا، فإن ابتعاد الزعيم المؤسس للحزب الشيخ عبد العزيز الثعالبي، ونفيه من قِبل السلطات الاستعمارية[17]، هو الذي ولّد لدى قيادات الحزب المتبقين نوع من الخمول والكسل في الأخذ بنواصي الحزب والعمل على بث روح التجديد والمقاومة داخله، ولقد عبّر عن هذا الشعور السيد الطاهر صفر[18] بالقول ” إن الحزب الحر الدستوري قد تأسّس بفضل المجهودات التي بذلها الشيخ عبد العزيز الثعالبي ردّ الله غربته ومن كان معه من المواطنين الناشطين فكان تأليف كتاب تونس الشهيدة وكان سجن الشيخ الثعالبي ومحنته وكانت الأعمال التّأسيسيّة ونشر الفكرة ونشاطها ومقاومة أعداء الحزب ثم ذهب الشيخ الثعالبي إلى المنفى وأبعدت الحكومة غيره من الرجال العاملين كالسيد أحمد توفيق المدني وعبد الرحمان اليعلاوي والمرحوم محمد علي، ولم يبق على رأس الحزب ليديره إلا رجال غالبهم خاملون والبعض الآخر من المستبدّين بالأمر، فنشأ عن الخمول من جهة والاستبداد من أخرى سقوط الحزب وتدهوره حتى فقد شُعَبَه ومحلّه المركزي ونواديه وجرائده ولم تبق بالمرّة حركة حزبية منتظمة ولم تبق من النوادي الدستورية إلا نادي الرياض الذي كانت الاجتماعات فيه سنوية تقع في 27 رمضان للتذكير بتأسيس الحزب، فكانت تلك التظاهرات السنوية، على قلّة الحاضرين فيها، أشبه بزيارة الميت وقراءة الفاتحة عليه، حتى أني في إحدى تلك الاجتماعات ضاق خاطري وعوض أن أنطق بالخطبة الحماسية الاعتيادية تلفّظتُ في ادب واحتراز ببعض الانتقادات، فقوبلت من بقية الخُطباء بالبرودة وكلّما ناقشتهم الحساب على سكوتهم وخمولهم وعدم قيامهم بواجبهم كان جوابهم بأن الشعب جامد لا يتحرّك أو أنه خالٍ من الرجال الأكفّاء”[19].

أما الأسباب العميقة والغير مباشرة تتعلق بالتكوين الثقافي والسياسي لكلا الطرفين، حيث تتميز المجموعة الشبابية بالتكوين العصري والحديث في طُرق العمل الجمعياتي والحزبي وهم القادمون من فرنسا والناشطون في هيئات مدنية بفرنسا، إضافة إلى تكوينهم العصري والحديث بالجامعات الفرنسية واندفاعهم تجاه طرق التسيير ذات الأفق التحرري اكثر من اللزوم دون مراعاة للجانب التقليدي والقديم لشق الشيوخ، الذين تعودوا على التسيير باقل مشورة واقل طرق ديمقراطية وشفافية، فوصفوهم بالاستبداد وسوء التصرّف في الأموال والسعي لخدمة أنفسهم ومصالحهم وذواتهم.

كما أن التكوين الثقافي للشيوخ يغلب عليه الجانب الروحي والديني مما جعلهم يخلطون بين كل ما هو سياسي مدني وحزبي ومالي مما هو عاطفي ديني فوقعوا في نوع من الاستعلاء على سائر العاملين في الحزب ووصفوهم بالمُحدثين الصّغار، فحصل الخلاف والتباعد برغم سلامة نية كلا الطرفين، ولكن طرق التواصل والتخاطب كانت تتسم بالشدة وعدم اتخاذ طُرق الحوار الرصين والنظيف بدون تشكيك في النوايا ولا اتهام في الذمم.

ولعل الشباب المتحمسين كانت لهم فرص التنقل بين المدن والقرى والاتصال بالشُّعب الدستورية أكثر من الشيوخ، كما أن الشباب لهم من يستمع إليهم من خليط من الناس والمنخرطين بالشُّعب الدستورية فيهم المخمورين والبلطجية والغوغاء، بينما الشيوخ ظلوا يتصلون بالطبقات النخبوية المنحصرة بالمساجد والدوائر الزيتونية المثقفة.

بعد قرابة السبعة أشهر من الاتهامات والاتصالات وتبادل للعرائض والاستقالات والرسائل بالجرائد، مضى بورقيبة وجماعته في عقد مؤتمر بمدينة قصر هلال وذلك بحضور قرابة الستين من الممثلين عن الشُّعب الدستورية من مختلف أنحاء البلاد، معلنا انتصاره وانشقاقه على الشيوخ المؤسسين، أفرز ذلك المؤتمر عن قيادة جديدة للحزب سمّيت “بالديوان السياسي” في مقابل “اللجنة التنفيذية” التي قاطعت أشغال المؤتمر ولم تحضر، واستمر ذلك الانقسام إلى حين عودة الشيخ المؤسس للحزب الدستوري من منفاه في 18 جويلية 1937.

حرص الشيخ الثعالبي منذ الأيام الأولى لقدومه على القيام بدور الوساطة لرأب الصدع ولمّ شمل الحزب، فبادر في 21 جويلية 1937 إلى عقد لقاء بين اللجنة التنفيذية (الحزب القديم) والديوان السياسي (الحزب الجديد) وكان اللقاء وديا مشبعا بالولاء بحضور رئيس جمعية علماء المسلمين بالجزائر الشيخ عبد الحميد ابن باديس والدكتور احمد بن ميلاد. ثم عُقد اجتماع آخر بمنزل الدكتور محمود الماطري كان بمثابة وليمة عشاء بمناسبة عودة الثعالبي حضره الجميع واتفقوا خلال هذا اللقاء على تكوين لجنة اتصال لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.

وتم بالفعل عقد لقاء يوم 3 أوت 1937 بمنزل الثعالبي، بين أعضاء اللجنة المُشكّلة اختير لكتابة محضر الجلسة السيد صالح بن يوسف ووقّعه الحاضرون بأسمائهم، وكُلّف الثعالبي بنشر محضر الجلسة في الصحافة ففعل، إلا أن تصريحات صحفية بين الحبيب بورقيبة وعبد العزيز الثعالبي، أشعلت فتيل الاختلاف من جديد، مما قوّى انحياز وتمسّك كل طرف بموقفه فعُقد لقاء آخر للجنة الاتصال بمنزل الثعالبي بالمرسى في 6 اوت 1937، وبعد مداولات عنيفة بين الطرفين قُرّر تكوين لجنة “النظر والبحوث السياسية” للتفاهم في المسائل الكبرى والتي تتعلق بالحكومة وتعيين الوفود، إلا أن الطاهر صفر احترز من هذه اللجنة ملاحظا أن بورقيبة لا يقبل بهذا الأمر، فتم الاتفاق على عقد جلسة أخرى يوم 10 أوت 1937، إلا أن ممثلي الديوان السياسي تغيبوا عن الحضور، فضرب لهم الثعالبي موعدا آخر يوم 12 اوت فلم يستجيبوا.

وأفاض الثعالبي بعد ذلك في تخطئة أعضاء الديوان السياسي وحمّلهم بلغة الإدانة “بذور الفتنة والشقاق”، وآخذهم بأنهم “يزعمون أنهم ديمقراطيون لا يستطيعون الافتيات على شرذمتهم بإبرام وفاق بينها وبين الشعب قبل أن يأخذوا رأيه فيه، وهو دجل مفضوح لا يروج على الأمة الرصينة التي أعمل لتوحيدها” حسب تعبير الثعالبي[20].

يظهر من خلال مساعي الثعالبي التقريب بين الطرفين ومحاولاته التي بائت بالفشل في رأب الصدع وتوحيد الرأيين، أنَّ شِق الديوان السياسي قد استحكمت له الأمور وصار يسيّر الحزب بكل شرعية ومشروعية، مما جعله يتصرّف مع الشيخ المؤسس بنوع من التجاهل، إذ بعد ان وقع حشد جماهير شعبية غفيرة لاستقباله يوم عودته، تحوّل ذلك الاستقبال وتلك الحفاوة إلى تهميش لمساعي الشيخ، كيف لا وقد أصبح الحزب يعمل بطرق جديدة وقيادة جديدة وشُعب دستورية جديدة ومنتشرة في كامل أرجاء البلاد، ولم تعُد الأمور تستحق بأن يتصدّر الشيخ الثعالبي مقاعد التسيير والقيادة، إذ كان الجماعة يتصوّرون أن الشيخ سوف يكتفي بأخذ مكان شرفي في الحزب ويترك القيادة الشبابية تعمل وتسيّر، وربما كان ذلك الذي يجب أن يحدث، وربّما بدت الفوارق والاختلافات بين الطرفين بعيدة وشاسعة الهوّة مما جعل من الصّعب التوحيد بينهما، وربما أيضا اتصفت المجموعة الشبابية بنوع من التكبّر والغرور تجاه الشيخ الزعيم المُؤسِّس مما أثار حافظة هذا الأخير وأدّي بالأمور إلى ما وصلت إليه من الفرقة والوصول إلى الانقسام إلى نقطة اللاعودة.                                 

بالنظر إلى حيثيات الخلاف وخطاب كلا الطرفين، فإنه يمكن استخلاص الملاحظات التالية:

  • – ظلت القيادات القديمة للحزب تعمل بطرق تقليدية في العمل الحزبي والسياسي ولم يولوا اهتماما لتطوير أساليب عملهم ومراجعة ثقافتهم في هذا الشأن
  • – ضعف إدارة المسائل المالية في الحزب من شفافية وديمقراطية جعل الشكوك تزيد حول حسن إدارة الشأن الحزبي
  • – في ظل اختلاف التكوين بين أصحاب الثقافة الغربية والفرنسية من جهة وأصحاب الثقافة العربية والإسلامية من جهة أخرى، فقد غاب الحوار وسادت لغة الاتهام والتخوين بين المجموعتين
  • – تميز الشيوخ بالاستعلاء الديني والمشيخي في بداية الأزمة، وانتقل نفس الإحساس بالغرور والاستعلاء لدى فئة الشباب بعد أن استطاعوا عقد مؤتمر للحزب واكتساب الشرعية والتفرد بالقيادة.

خلاصة: أثر هذا الخلاف على مستقبل البلاد والمجتمع

الحقيقة ان هذه الخلافات ترجع جذورها إلى رؤية كل طرف حول “طبيعة الصراع” في ما عُرف وقتها بـ”القضية التونسية”، إذ تميز الشباب الدارس بفرنسا بامتلاك ثقافة قانونية وسياسية كافية حول طبيعة الاحتلال وأهدافه الاقتصادية والاستعمارية، إضافة إلى تمكّن هؤلاء الشباب من اللغة الفرنسية، وكما يقول المثل “من تعلّم لغة قوم امن شرّهم”، فقد عرف هؤلاء النخبة كيف يحصرون صراعهم مع فرنسا حول “الاحتلال العسكري” ووضع الخطط الكافية للحصول على “الاستقلال” بمعنى جلاء آخر جندي عن التراب التونسي، بدون حصول استقلال بالمفهوم الذي طرحه الشيوخ المؤسسون الذين كانت لهم رؤية “دينية” و”ثقافية” و”حضارية” للاحتلال أكثر منها رؤية عسكرية.

فعبد العزيز الثعالبي كانت له تصورات حضارية ومرجعية إسلامية في كل كتاباته وخطاباته، ولقد انخرط خلال رحلته في الشرق (1921-1937) في معركة أممية، أي معركة تخص الأمة العربية والإسلامية قاطبة، وظل يصول ويجول بين مصر والشام والحجاز واليمن والعراق وفلسطين والهند وأندونيسية وسنغافورة والصين، يثقف الأمة ويبشر بمستقبل عربي وإسلامي ذا مرجعية قرآنية ولغة عربية، لتكون رحمة للبشرية كافة تماشيا مع مدرسة وتصورات جمال الدين الأفغاني، وقد تأثر بهذه الثقافة جل الشيوخ المؤسسين للحزب الحر الدستوري وأكثرية طلبة جامع الزيتونة.

وبمجيء هؤلاء الشباب الجدد وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة والطاهر صفر والبحري قيقة وصالح بن يوسف ومحمود الماطري وسليمان بن سليمان، فقد أحدثوا حركية وديناميكية حول “القضية التونسية”، إذ بدو اكثر براغماتية وواقعية بتركيزهم على الطبيعة العسكرية للاحتلال، فتميز خطابهم بأكثر وضوح واكثر جاذبية للشباب والناس عامة، ومع مهارة بعضهم، خصوصا الحبيب بورقيبة، الذي عرف كيف يستعمل نفس “سلاح الدين” الذي ما فتئ يستعمله “الشيوخ”، فقد استطاع إحراجهم بركوب بعض القضايا ذات الطابع “الديني”.

ولكن بورقيبة وجماعته كانوا ابعد ما يكون على طرح قضية “الدين” وحتى “الثقافة” كمحور للصراع بينهم وبين فرنسا، على عكس جماعة الثعالبي، فإن المعطى الديني والثقافي والحضاري هو جوهر الصراع مع فرنسا، وهنا مربط الفرس ومحور الخلاف بين المدرستين، “البورقيبية” و”الثعالبية”، لذلك كان الانقسام لا مفر منه والافتراق أمر محتوم، ويظهر هذا الافتراق جليّا في ثنايا الخطة السياسية التي أعلن عنها الحبيب بورقيبة في خطابه يوم افتتاح مؤتمر قصر هلال، فقال:
«فتحت الحكومة الفرنسية أذنيها وأرادت أن تعرف الحقيقة (حقيقة نشاطات الديوان السياسي والقيادة الجديدة للحزب) فأوفدت بعض نواب الأمة (الفرنسية) وبعض الصحافيين والكُتّاب للبحث عن قيمة تلك الحوادث (أحداث التجنيس) التي وقعت في بلادنا وهل هي حركة أفراد خصوصية ام حركة أمّة كاملة، وطاف أولائك الموفدون البلاد التونسية فكانوا يسمعون صوتا واحدا ولهجة واحدة في مشرق البلاد ومغربها ووجدوا أمّة هادئة لا تُضمر لفرنسا أي إحساس عدواني ولكنها مصمّمة على المُطالبة بحقوقها المهضومة وحرياتها المسلوبة مضحية في ذلك بالدم والمال إلى أن يسود هذه البلاد نظام سياسي واقتصادي قوامه المساواة والعدالة، على أن هذا النظام، المتحتّم إنجازه طال الزمن أو قصُر، لا يُنقِص من قوّة فرنسا بين الأمم بل ربما يزيدها متانة بقدر ما تكون الأمة التونسية قويّة مرتبطة مع الأمة الفرنساوية عن طيب خاطر لما بينها من التضامن الذي لا يُنكره أحد. وبهاته الصورة رأت الأمة التونسية أن صوتها أصبح مسموعا واعمالها مُنتِجة، ورأت الحكومة الفرنسية أيضا وجوب إعطاء ترضيات إليها فأبدلت مقيمها العام ووضعت في مكانه رجلا آخر مع تكليفه بمامورية خاصة وهي النظر في إيجاد طريقة مرضيّة للشعب التونسي مع مراعاة مصالح فرنسا وإذا لم يكن إيجادها دفعة واحدة، فيكون ذلك تدريجيا»[16].
.

ولقد عبّر مدير الحزب الحر الدستوري السيد عبد الحميد شاكر[21]، في احتفالية الحزب بمرور 28 سنة على انعقاد مؤتمر قصر هلال، بالقول: “لقد كان يوم 2 مارس 1934 شاهدا علنيا على اصطدام طريقتين في تصوّر الكفاح: “الطريقة العاطفية والطريقة السياسية، وكان ذلك اليوم شاهدا علنيا على اصطدام منهاجين في العمل من أجل الاستقلال: منهاج العمل الذي يقتصر على المشاهدة والتحليل والتعليق ومنهاج العمل المبني على حشد القوى الشعبية وتنظيم الجماهير، وكان ذلك اليوم شاهدا علنيا على اصطدام أسلوبين في التعامل مع السلطات الاستعمارية: أسلوب سلبي جامد ينحصر في المطالبة الرمزية بتحقيق رغائب الأمة وأسلوب يتسم بطابع إيجابي ثوري في نطاق استراتيجية واضحة المعالم والمراحل والأهداف، استراتيجية مستوحاة من مقدرات الشعب التونسي وتقرأ حسابا للظروف والملابسات الوطنية منها والعالمية وتعتبر مناقضات الخصم وتستغلها استغلالا كاملا لفائدة قضية التحرير”[22]، فهذه الشهادة تعبّر عن رؤيتين ومنهجيتين وأسلوبين مختلفين في العمل.

فالنخب التي درست بفرنسا كانت أرجلها في تونس ولكن تفكيرها وآليات تحليلها وأدوات عملها كانت في الغرب وفرنسا تحديدا، بينما الثعالبيون والزيتونيون فلقد كانت ارجلهم في تونس ولكن أدوات تحليلهم ومرجعيات تفكيرهم كانت في قلب العالمين العربي والإسلامي وعلى رأسها القدس، كما أن آليات عمل كلا الطرفين كانتا مختلفتين اختلافا جوهريا، ومن هنا كان خطاب بورقيبة اقرب إلى أفهام عامة الشعب التونسي، الذي عانى الفقر والحرمان على مدى عقود، وفي نفس الوقت مستوعبا للذهنية الغربية والفرنسية ومواكبا للمعارك السياسية والحزبية التي كانت تدار بفرنسا.

ولكن بمجرد خروج آخر جندي فرنسي من تونس، أي بعد 30 سنة فقط[23] من انعقاد مؤتمر قصر هلال وتأسيس الحزب الدستوري الجديد، كان بورقيبة قد قضى على جامع الزيتونة[24] بالكمال والتمام وابتدأ خطته الطويلة في غرس الثقافة الفرنسية في المجتمع التونسي.

إذ بقدر ما كانت تكتسبه المجموعة الشبابية (بورقيبة وجماعته) من طرق عمل سياسية وحزبية متماشية مع المرحلة التي كانوا يعيشون فيها، بعد امتلاكهم لوسائل وخفايا العمل السياسي أثناء دراستهم في فرنسا ومعرفتهم بالثقافة الفرنسية وتاريخ الأفكار السياسية في تلك الحقبة، بقدر ما كان لمجموعة الشيوخ، وخصوصا الشيخ المؤسس عبد العزيز الثعالبي الذي كانت لديه ثقافة عربية وإسلامية واسعة، واستطاع بفضل علمه وثقافته الواسعة وشخصيته الساحرة على الحصول على ثقة واحترام كافة زعماء القيادات العربية والإسلامية في ذلك الوقت، إذ كان يسعى إلى نشر العلم بين شرايين الأمة وتوحيد الجهود العربية والإسلامية من أجل استعادة الكيان الإسلامي الذي اندثر باندثار الإمبراطورية العثمانية.

بالنسبة لي وكدارس اليوم لهذا الخلاف، كان الأجدر توحيد الصفوف على أن تستفيد الحركة الوطنية من خبرة كلا الطرفين، فيكون العمل الحزبي والسياسي ذا جدوى ونتيجة يمكن الحصول عليها بالنضالات والمقاومة الميدانية والمساعي السياسية، كما تكون ثمرة تلك النضالات ذات بعد عربي وإسلامي واسع يحد من هيمنة فرنسا والغرب على مقدرات الأمة ويجعل من استقلال تونس وكذلك كافة الدول العربية والإسلامية أن تحصل ربما على استقلالها السياسي والعسكري والثقافي والحضاري، وهو وللأسف لم يحدث وتفرّدت المجموعة الشبابية بقيادة تلك المرحلة بعد أن همّشت المجموعة الأولى وتجاهلتها، فكان المستقبل أعرجا والاستقلال منقوصا وبناء «الدولة الوطنية» هشّا والثقة في تلك النخب الماسكة بالسلطة تحوم حولها الشبهات.

يمكن القول أنه خلال هذا التاريخ (2 مارس 1934) وهذه المحطة التي وقع فيها الانشقاق، فإن معضلة أحدثت شرخا في البلاد وبين النخب مازلنا نعاني من آثارها، الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، على البلاد وعلى الأجيال إلى يومنا هذا، هذا الشرخ وهذا الانشقاق هو الذي قسم البلاد والنخب والمجتمع التونسي إلى شقين:

  • – شق انبثقت عنه كل التيارات اليسارية والحداثية والعلمانية و”الدستورية” (نسبة إلى حزب بورقيبة).
  • – وشق انبثقت عنه التيارات الإسلامية والتيارات العروبية المحافظة

وإلى اليوم وهذا التاريخ أي بعد زهاء 90 سنة، مازالت تونس تعاني من آثار ذلك المؤتمر (مؤتمر قصر هلال) ولم تجتمع النخب الفكرية والسياسية للغوص في هذا الجرح للوقوف على أسبابه ومعالجة جذوره الفكرية والحضارية التي أودت بهذا الانقسام وإضعاف الجذوة الوطنية لدى عامة الشعب، من اجل الخروج بتصور يحمل النخبة والبلاد على بناء مستقبل اكثر وضوحا وصمودا في وجه كل الاختلافات والاضطرابات والمؤامرات.

المهدي بن حميدة
في 19 نوفمبر 2021


[1]  عبد العزيز الثعالبي (15 شعبان 1293هـ= 5 سبتمبر 1876 م – أول أكتوبر 1944 م) زعيم تونسي سياسي وديني، من القليلين الذين زاوجوا بين السياسي والديني، وبين المحلي والإقليمي والعالمي في عملهم؛ للتخلص من الاستعمار وظلمه والرفعة بالمجتمع والرقي به في الوقت ذاته. فقد كان في تونس قطبا ومناضلا بارزا ضد الاحتلال الفرنسي أولا وضد أعداء الدين الإسلامي ثانيا، فهو كما يوصف بأنه داعية الإصلاح والتجديد والمقاومة ما جعله عرضة للنفي والترحال في سبيل دعوته ومبادئه.

[2]  نسبة إلى الرئيس الأمريكي توماس وودرو ويلسون Woodrow Wilson، وهي 14 مبدأ قدمت من قبل رئيس الولايات المتحدة ويلسون للكونغرس الأمريكي في تاريخ 8 يناير 1918، ركز فيها على السلم لإعادة بناء أوروبا من جديد بعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918.

[3] « La revue du Maghreb : Algérie, Tunisie, Maroc, Tripolitaine. Tribune des revendications des indigènes ». Directeur : Mohammed Bach-Hamba. Genève, 1916-1918 ; 3 tomes en 1 volume. La Bibliothèque de Genève possède ce document sous la cote BGE Rb 380.

[4]  بالتركية: Navarin Deniz Muharebesi، هي معركة بحرية وقعت في 20 أكتوبر 1827 خلال حرب الاستقلال اليونانية (1821-1832) في خليج نافارين وهي تقع على الساحل الغربي لشبه جزيرة البيلوبونيز في البحر الأيوني، بين الأسطول العثماني مدعما بالأسطول المصري

والتونسي والجزائري من جهة، وأساطيل الحلفاء (بريطانيا، فرنسا وروسيا) من جهة أخرى. انهزم العثمانيون هزيمة كبيرة كانت سبباً في ضياع أسطول الدولة العثمانية، و تم تدمير الأسطول الجزائري بشكل شبه تام مما سهل على فرنسا الاستيلاء عليها واحتلالها بعد ثلاث سنوات، ومن هنا بدأت مرحلة استقلال اليونان من الحكم العثماني.

[5]  علي البلهوان عضو بالمجلس التأسيسي في مارس 1956 وفي السنة الموالية أسندت إليه رئاسة بلدية تونس، غير أنه توفي في عام 1958.

[6]  انعقد المؤتمر الأفخارستي بقرطاج بين 7 و11 ماي 1930 ولقد اعتبر التونسيون هذا المؤتمر تحديا لمشاعرهم الإسلامية، خاصة وقد تم خلاله توزيع مناشير بالعربية تدعو التونسيين إلى اعتناق المسيحية ووقع استعراض آلاف الأطفال الذين يرتدون أزياء بها صلبان بما يذكر بالحملة الصليبية الثامنة التي قادها لويس التاسع لاحتلال تونس عام 1270م.

[7] « François Manceron » résident général de France en Tunisie du 18 février 1929 au 29 juillet 1933

[8] « Lucien Saint » résident général de France en Tunisie du 1er janvier 1921 au 2  janvier 1929

[9] « Joseph Paul-Boncour » Président du Conseil des ministres français du 18 décembre 1932 – 28 janvier 1933

[10] “تونس الثائرة” – علي البلهوان – تاريخ النشر 1954 – الصفحة 45-46

[11] محمد الطاهر ابن عاشور – كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية – طبعَة وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة بدولة قطر 2004 – ص54-58

[12] معركةٌ وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان في شهر صفر سنة 37 هـ فيما عُرف بالفتنة الكبرى.

[13]  تعود قضية التجنيس إلى ما قبل 1933، حيث وُضع أول قانون يسمح للتونسيين بالحصول على الجنسية الفرنسية في 29 جويلية 1887، وامام قلق الحكومة الفرنسية من تزايد عدد الإيطاليين في تونس وصعود الفاشية في إيطاليا قامت السلطات الفرنسية بإصدار قانون 20 ديسمبر 1923 الذي يسهل حصول التونسيين على الجنسية الفرنسية، حيث أن المستفيدون الرئيسيون من هذا القانون هم الإسرائيليون، الذين يسعدهم الهروب من المحاكم التونسية التي تستوحي قوانينها من الشريعة الإسلامية. منذ ذلك الحين، أي منذ 1923 لم تتوقف الصحف التونسية على طرح هذه القضية على أعمدة صحفها، وأجمعت أغلب النخب الثقافية والدينية والعلمية في تونس على إدانة التجنيس وإدانة المتجنس، وللتفصيل حول موضوع التجنيس راجع وثيقة ” الشعب التونسي والتجنيس”، وهو مجموعة مقالات أصدرتها الجرائد التونسية في التجنيس – عن مطبعة العرب بتونس، نُشر سنة 1924

[14]  “فالجميع متظافرون على معارضة التجنس ومتوافقون على منافاته للتقاليد والملة والإيمان” من وثيقة ” الشعب التونسي والتجنيس”، وهو مجموعة مقالات أصدرتها الجرائد التونسية في التجنيس – عن مطبعة العرب بتونس، نُشر سنة 1924

[15] تأكيدا لهذا المعنى وفي ما يُعرف بـ “الرحلة اليمينية” وهو كتاب مطبوع عن دار الغرب الإسلامي 1997 – يقول الثعالبي في رسالة كتبها من مهجره ومنفاه باليمن في 11 أكتوبر 1924، إلى صديقه محمد المنصف المستيري، يشكو له خذلان أصحابه ورفاق دربه له أنه خرج من تونس يوم 26 جوان 1923 متوجها إلى القاهرة بشكل مؤقت ومعه القليل من المال، وأنه طلب من أصحابه ورفاقه في الحزب أن يرسلوا له المال وأن يتكفلوا بعائلته في تونس، التي أصبحت معدومة ليس لها من ينفق عليها، فخذلوه بعد أن ساوفوه وماطلوه.

[16] “مؤتمر البعث” المؤتمر العامّ للحزب الحرّ الدّستوريّ – طُبع سنة 1962 بدار العمل مقر جريدة الحزب.

[17] خرج الثعالب تحت تأثير وبأمر من سلطات الاحتلال، وتحت ضغط المقيم العام لوسيان سان، بعد أن تدخل هذا الأخير ليفرج عنه في ماي 1921 بعد محاكمته وسجنه في جويلية 1920.

[18]  الطاهر صفر (1903-1942)، أصيل المهديّة حفظ القرآن الكريم وعمره 6 سنوات، زاول تعليمه الثانوي بالمدرسة الصّادقيّة ثم انتقل إلى فرنسا فتحصّل على الإجازة في الحقوق اختصاص قانون عمومي وعلى ديبلوم المعهد الحرّ للعلوم السياسية سنة 1926، وساهم في باريس في العديد من الأنشطة الثقافية والسياسية وكذلك في تأسيس جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين بفرنسا في ديسمبر 1927 حيث كان أوّل نائب رئيس لهيئة هذه الجمعية.

[19] وثيقة “مؤتمر البعث” المؤتمر العامّ للحزب الحرّ الدّستوريّ – وهو عبارة عن كتيّب صغير نُشر للاحتفال بالذكرى 28 لانعقاد المؤتمر المنعقد بمدينة قصر هلال يوم الجمعة 71 ذي القعدة عام 1352 الموافق ليوم 2 مارس 1934. طُبع سنة 1962 بدار العمل مقر جريدة الحزب.

[20] “الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي، وإشكالية فكره السياسي” بحث في فلسفته السياسية وصلتها بنضاله وأدبه ورحلاته مشفوع بوثائق ومنتخبات – أحمد خالد – وزارة الثقافة التونسية – الطبعة الأولى 2001 – الصفحة 241

[21] عبد المجيد شاكر (23 مارس 1927 – 25 أكتوبر 2021)، عينه الحبيب بورقيبة في أوت 1956 مديرا للحزب خلفا للطيب المهيري، ثم أدخله في أفريل 1957 إلى الديوان السياسي.

[22] “مؤتمر البعث” المؤتمر العامّ للحزب الحرّ الدّستوريّ – طُبع سنة 1962 بدار العمل مقر جريدة الحزب.

[23] يوم 15 أكتوبر 1963 هو تاريخ جلاء (إخراج)  آخر جندي فرنسي عن الأراضي التونسية.

[24] انظر الفقرة المتعلقة بآواخر الزيتونيين وإغلاق جامع الزيتونة بالقسم الثاني من مذكراتي (بصدد الإعداد والطبع).

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

العمر 55 سنة - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 9 ماي 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير شركة خاصة في الطباعة والتصميم والتوزيع.

أظهر كل المقالات