هل يمكننا القول إن بريطانيا كانت محظوظة بخروجها من الاتحاد الأوروبي أسابيع قليلة قبل أن يضرب فيروس كورونا كامل القارة الأوروبية والعالم؟
نعم يمكننا أن نجزم بذلك، فما الحاجة لاتحاد أوروبي غير متضامن وقت الشدائد والأزمات والأوبئة؟ لقد أثبتت هذه المحنة، محنة كورونا، أن سائر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم يكن بينها الحد الأدنى من التضامن، فعم البلاء على الجميع دون استثناء.
ففي الشمال الإيطالي ابتدأ انتشار الفيروس بإعلان أول حالة وفاة يوم 22 فيفري 2020، وكان بإمكان بقية الدول الأوروبية أن تسارع لمد إيطاليا بالمعدات اللازمة لفحص الناس والتثبت من نسبة انتشار الفيروس، ثم مع مضاعفة حالات الوفيات يوم 15 مارس من قرابة الـ200 يوميا إلى الـ400، عممت أوروبا قرارات الصرامة وغلق الحدود وبدأت كل دولة التفكير في الخلاص الفردي.
وهنا وجب الإشارة إلى بعض الأرقام حيث أن سويسرا مثلا التي تقدر حالات الإصابة لديها بـ3000 حالة ووفاة 30، تمتلك 1100 جهاز تنفس اصطناعي وهي لا تحتاج في هذه المحطة من انتشار الفيروس إلى سوى 600 جهاز احتياطي على اعتبار اللجوء إلى التنفس الاصطناعي لـ20% من المصابين في أقصى الحالات.
يعني تمتلك سويسرا 500 جهاز تنفس اصطناعي زائد عن حاجتها وهي بلد مصنّع لمثل هذه الأجهزة، كما أن ألمانيا منعت أي تصدير لهذه الأجهزة إلى خارج ألمانيا، في حين أن إيطاليا من شدة فقدها لأجهزة التنفس الاصطناعي، وصلت إلى اختيار الذين يبلغون 40 سنة على 60 سنة والأصغر فالأصغر للإحاطة والمعالجة، وهذه أزمة أخلاقية لا تريد أي دولة أن تصل إليها.
كما أن سويسرا التي تحتاج خلال هذه المحطة من انتشار الفيروس إلى وسائل الفحص الآلي، تشكو بذاتها إلى نقص في المواد التفاعلية لتعميم هذه الفحوصات، في حين أن دول أوربية مثل رومانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك هذه المواد ولا تستطيع توفيرها إلى سويسرا.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى سائر الدول الأوروبية، إذ تجد في دولة زائد في بعض الموالد والآلات التي لا تحتاج إليها، وتحتاجها دول أوروبية أخرى (ولا أتحدث هنا عن باقي دول العالم الفقيرة)، في حين أنها ليس بمقدورها الحصول على مواد أخرى هي في حاجة إليها وهكذا…
بإمكاننا القول أن دول الاتحاد الأوروبي كشفت عن أزمة أخلاقية بعدم التضامن فيما بينها، واللجوء إلى الخلاص الفردي في أزمة وبائية تحتاج إلى التضامن والتعاون وتبادل المواد والآلات والمعدات والخبرات أكثر منها في حاجة إلى المال.
وهذا درس تعلمه “كورونا” للدول والشعوب، عسانا نرتقي إلى مصاف المثل الإنسانية بحجم التطور العلمي والتكديس المادي الذي وصلت إليه أغلب هذه الدول.
المهدي بن حميدة
في 19 مارس 2020




