الانقسام الوطني … إلى أين؟

الحقوقيون المضربون عن الطعام تونس 2005
بقلم محمد الهادي الجبالي

حينما أرى انقسام النخبة الحاد مع كل مناسبة، حتى تلك التي تطلب منا أقصى أنواع التضامن، تترسخ قناعتي بأن من قاوم الإستبداد لا يصلح أن يبني بعده…

أضرار الإستبداد التي دمرت الانسان جعلت ممن نشأ تحت سطوته إما مقاوما أو خانعا لا يمكن أن يكون متمتعا بتوازن نفسي و فكري يسمح له بتجاوز آثار التدمير الممنهج للذات الانسانية التي مارستها أنظمة الحكم الشمولية من أجل إدامة عمرها،و هذا أمر فصل فيه الكواكبي كثيرا في “طبائع الاستبداد”..

بل إني كنت كثيرا ما أشبه هذا الجيل الخارج من تحت ربقة الاستبداد بالمواليد الذين نشؤوا تحت القصف النووي في هيروشيما و نكازاكي، يندر أن تجد منهم سويا كلهم مشوهون منهم من ولد بلا أطراف و منهم من كانت له عين واحدة و منهم من كان رأسه أكبر من بقية أعضاء جسمه مجتمعة…هؤلاء ما كان بإمكان اليابان أن تعيد مجدها لو اعتمدت عليهم …

المشكل الأعوص هو ان هذا الجيل نقل عدوى معاركه الفاشلة والوهمية إلى الجيل الذي خلفه،،، مثلهم كمثل سمك السالمون في رحلته العبثية نحو العدم ينشأ في منابع الانهار ويهاجر في رحلة شاقة ضد التيار نحو المياه العميق يموت منه ما يموت و يعلق منه ما يعلق في شباك الصيادين وأنياب الضواري ويتيه منه ما يتيه ثم عندما يحين موسم التزاوج يرجع إلى منابع الأنهار ليبيض فيه فلا يصل منه إلا المنهك الذي تنتهي حياته مع وضع البيض ،فلما يفقص يخرج منه جيل جديد يتغذي على بقايا لحم سلفه ثم يأخذ في إعادة رحلته نحو انتاج العبث و هكذا جيلا بعد جيل…

والقرآن نفسه يذكرنا بسنوات التيه التي كتبت على بني إسرائيل حتى ينشأ جيل جديد بعيدا عن أمراض الآباء النفسية والإجتماعية يمكنه من التأسيس لعهد جديد و مغاير… لا حل حقيقة إلا في جيل جديد يكون كافرا بالآباء و معاركهم و هذا ممكن لو توفرت النوايا الحسنة و العزيمة الوطنية الصادقة