التوافق الوطني: ما الذي حصل في 15 أوت 2013؟

التوافق السياسي بين راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي

هناك قوى سياسية تشكلت خلال الـتسع سنوات التي تلت الثورة التونسية، وأكبر قوة سياسية هي حركة النهضة ومعها قوى أخرى لم تصل إلى ثقل وقوة حركة النهضة من حيث القاعدة الحزبية والتعاطف الشعبي مثل حزب المرزوقي سابقًا والتكتل والجبهة وحزب الهاشمي الحامدي.

اجتمعت حركة النهضة مع التكتل وحزب المؤتمر لتشكل تحالف حكم سمي بالترويكا، ولكن حركة النهضة اختارت التحالف مع الحزبان الآخران ليس لأنها لا تريد أن تحكم بمفردها ولكنها لا تستطيع ان تحكم بمفردها ولا تستطيع أن تواجه السياق الثوري والانتظارات الثورية بمفردها.

وعند الممارسة اكتشف المؤتمر والتكتل أن حركة النهضة تريد أن تحكم بمفردها وتريد ان تتحكم بمقاليد السلطة وتسعى إلى استثمار خزانها النضالي من تضحيات بالآلاف من مناضليها خلال عشريتي الجمر من أجل أن يكون لها موقع مشرف في الحكم.

اختلفت النهضة مع المرزوقي في التفاصيل وتنافر الصديقان والحليفان التاريخيان بتنابزات خلال ممارسة الحكم (قضية البغدادي المحمودي وغيرها)، كذلك الأمر وقع مع بن جعفر خلال أزمة الاغتيالات (محاولة تعطيل بن جعفر لعمل المجلس) فتعكّرت الأجواء بين الأصدقاء وطالب حمادي الجبالي الالتجاء إلى حكومة كفاءات مستقلة لكي ينقذ تعهدات حركة النهضة وينقذ الرمزية الانتخابية للنهضة في تحمل أعباء الحكم وقيادة البلد.

رفض الغنوشي مقترح الجبالي وضحى بهذا الأخير لأن النهضة وقتها مازالت تريد أن تحكم ومصرة على الحكم ولكنها لا تستطيع أن تحكم (أمام ضغط الإضرابات وتهديد الاغتيالات) فجاءت حكومة علي العريض ثم المهدي جمعة وفهمت حركة النهضة من خلال هذا المسار المتعثر ان الحكم ليس بالأمر الهين، فأصبحت “تخاف” من الحكم.

جاءت انتخابات 2014 وصعدت قوة جديدة إلى حلبة الصراع (السياسي والأيديولوجي) متمثلة في الثورة المضادة وتجمع قوى النظام القديم (نداء تونس واليسار الانتهازي المتمثل خصوصا في حزب الوطد) بزعامة الباجي قايد السبسي، ألا وهو حزب نداء تونس، هذه الفسيفساء الجديدة التي جاءت نتيجة الفراغ الذي تركته حركة النهضة خلال تجربتها في الحكم (2011-2014)، فراغ في الإنجازات وفراغ في الأفكار وفراغ في البدائل.

استعمل الباجي قائد السبسي رصيده السياسي، وهو الوزير السابق في عهد الحبيب بورقيبة (تولى حقيبة وزير الداخلية سنة 1965 إثر وفاة الوزير الطيب المهيري) ورئيس مجلس النواب في أوائل سنوات حكم زين العابدين بن علي (ترأس البرلمان في الفترة ما بين 1990 و1991)، ليجمع ثلة من الانتهازيين من اليسار التونسي والعلمانيين والوبورقيبيين الذين تجمعهم كلهم أحقاد أيديولوجية ضد التيار الإسلامي.

أمام الاغتيالات السياسية (للزعيمين الساسيين شكري بلعيد في 6 فيفري 2013 ومحمد البراهمي في 25 جويليلة 2013) التي هزت البلاد، لم يجد زعيم الحركة الإسلامية، راشد الغنوشي، مفرا من الجلوس مع زعيم المعارضة الجديد/القديم، الباجي قائد السبسي، في باريس بتاريخ 15 اوت 2013، ليكونوا تحالفا جديدا تحت لافتة “التحالف الوطني” لإنقاذ ما تبقى من حكم الإسلاميين بعد الثورة. ولقد كان لشخصية الباجي قائد السبسي دور رئيسي في هذا التحالف الذي لم يكن له أن يولد لطبيعة التكوين والفارق الجوهري بين الحزبين.

تلا هذا اللقاء التاريخي (لقاء باريس) سلسلة من الاجتماعات الدورية الرسمية والمعلنة بين الرجلين داخل تونس، لا سيما في قصر قرطاج بعد انتخاب السبسي رئيساً للجمهورية التونسية في 31 ديسمبر 2014، واستمر هذا “التوافق” بين الغنوشي والسبسي حتى إعلان إنتهائه أواخر سنة 2018، حيث كان الإعلان عن انتهاء هذا التوافق مفاجئاً ومدوياً، والذي تم عبر حوار تلفزيوني مباشر ومسجل أدلى به الرئيس الباجي قائد السبسي في 24 سبتمبر 2018 على قناة الحوار التونسي.

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

من مواليد سنة 1967 - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير دار عاتكة للطباعة والنشر والتوزيع ومقرها لوزان.

أظهر كل المقالات