أردوغان وملف حقوق الإنسان

أردوغان وملف حقوق الإنسان

كتبت تدوينة أمس قلت فيها “لن أبارك لأردوغان بالفوز حتى يطلق سراح كل المعتقلين السياسيين”، فعلق كثير من الإخوة (الإسلاميين) على هذه التدوينة، وأنا هنا سوف أشرح أسباب والخلفيات التي جعلتني أدين أردوغان بعد هذه الفوز، ولن أعتبر أردوغان رجل مرحلة (ديمقراطي) بعد هذه الانتخابات ما لم ينظف ملف حقوق الإنسان في بلده ويطلق جميع المعتقلين السياسيين.

أولا: لا أحد ينكر آلاف المعتقلين السياسيين في تركيا من مختلف الشرائح والاختصاصات، يجب أن ننطلق من هذه المسَلّمة لكي نواصل النقاش في هذا الموضوع، ويكفي أن تطلعوا على تقارير لمنظمات دولية عتيدة في حقوق الإنسان (مثل هيومن رايس ووتش ومنظمة العفو الدولية، وغيرها…) كان الإسلاميون في تونس يرقصون طربا لمجرد تخصيص إحدى هذه المنظمات في بداية التسعينيات فقرة لتتحدث عن وضع حقوق الإنسان في بلد بن علي.

ثانيا: أن تقل لي كل هؤلاء المعتقلين هم انقلابيون وليسوا معتقلين سياسيين، فهذه ليست حجة دقيقة، فالانقلابيون هم العناصر التي نفذت محاولة الانقلاب في 15 جويلية 2016 من عسكريين وأمنيين وربما عناصر من مختلف المؤسسات الأخرى والتي ساعدت وكان لها مهمة مباشرة (ضع سطرين تحت كلمة مباشرة) في هذه المحاولة الفاشلة… أما أن تأتي بكل من له صلة قرابة أو علاقة صداقة أو أي اتصال بكل من قام بالمحاولة الانقلابية، فهذه جريرة ظالمة، ولقد وقع بن علي في نفس الخطأ وأتى على الآلاف من المعتقلين والمهجرين بجريرة القرابة العائلية وليس بالضرورة القرابة السياسية.

ثالثا: إن بررنا (كإسلاميين) ما يقوم به أردوغان منذ 15 جويلية 2016 إلى اليوم من اعتقالات للآلاف (من أنصار جماعة فتح الله غولن) وطرد من الشغل والمتابعة والملاحقة، فنحن نقع في تناقض ويجب أن نعتذر لبن علي على كل ما قام به، ولقد قام الإسلاميون في تونس بمحاولة افتكاك للسلطة في 1991 وتعرض لمقرات الأمن وأنا شاهد على ذلك في تلك المرحلة.

ما يقوم به أردوغان في حق جماعة فتح الله غولن هو نفس ما قام به بن علي منذ 1991 ولكن ربما بأقل وحشية في التعذيب والقتل والاغتصاب وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن من حيث المصادرة للحقوق من اعتقال وطرد من الشغل، بموجب مراسيم لا تراعي في أغلبها سلامة الإجراءات، فأردوغان يقوم به بشكل واسع وبمجرد الشبهة، والدليل هو كما قلت ما نُشر منذ 2016 إلى اليوم من تقارير لمنظمات دولية كان الإسلاميون في تونس يعتمدون عليها لإثبات إدانة بن علي.

وأنا عندي صديق تركي هنا في سويسرا يشتغل في شركة سويسرية للتأمينات اتصلت به منذ قرابة الشهرين لكي أدخل بعض التغييرات في عقد تأمين سيارتي، فوجدته معتقلا في تركيا (ذهب ليزور عائلته فاعتقلوه) ثم بعد ذلك عاودت البحث عن وضعيته فقيل لي أطلق سراحه ولكن اعتقلوا أخاه… يعني نفس الذي عاشه الإسلاميون في تونس طيلة حقبة التسعينيات هو ما تعيشه فئة واسعة من الشعب التركي منذ جويلية 2016.

والمعتقل السياسي في القاموس السياسي هو كـل شخص يسجن أو يحبس بسبب معارضته للنظام القائم فـي الرأي والمعتقد والانتماء السياسـي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم. وكثيرا ما تبدأ الأنظمة الديكتاتورية الاعتقال بسبب الانتماء السياسي ثم تتحول (بعد إجراء التحقيقات الأمنية للمعتقلين السياسيين) إلى الاعتقال بسبب الرأي.

ولئن كان هناك فرق واضح بين معتقل رأي والمعتقل سياسي، ذلك أن معتقل الرأي هو كل من يعتقل بسبب تعبيره عن رأيه في أي موضوع سواء تعلق الأمر بالمجال السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي أو الديني وغيره من مجالات الفكر والعقيدة، مما يدعونا إلى القول أن المعتقل السياسي هو جزء من معتقل الرأي لكون اعتقاله يكون بسبب انتمائه السياسي وآرائه السياسية ومنطلقاته العقدية التي يعبر عنها، حيث لا يبدو هناك فرق واضح بينهما إلا من جهة التخصيص.

وأردوغان ابتدأ اعتقالاته منذ سنتين للمجموعة الأمنية والعسكرية التي قامت فعليا بالمحاولة الانقلابية في 2016، ثم تحولت الاعتقالات إلى كل من له رأي وصلة قرابة للمجموعة التي حامت حولها الشبهات أنها قامت بمحاولة الانقلاب (جماعة فتح الله غولن أقصد)، وهذا في مجال حقوق الانسان يعتبر تعد على الرأي وانتهاك لحقوق المجموعة والأفراد بسبب آرائهم وتوجهاتهم وهو مدان مهما كان الشخص ومهما كانت الأسباب والحجج (ولو كانت محاولة انقلابية على نظام الحكم).

ثم مرت اليوم على هذه المحاولة الانقلابية سنتان، وأجرى أردوغان انتخابات سابقة لأوانها وفاز في هذه الانتخابات بحسب النتائج الأولية، وانتخابات تُجرى في ظروف اعتقالات لآلاف المساجين السياسيين ومساجين الرأي، هي انتخابات –بحسب اعتقادي- ليس نزيهة وهي لا تبتعد عن انتخابات بن علي في 1994 وانتخابات 1999.

حقوق الإنسان واحدة لا تتجزأ، موش حلال علينا حرام عليكم.

المهدي بن حميدة
في 25 جوان 2018

المهدي بن حميدة

المهدي بن حميدة

العمر 55 سنة - متزوج وأب لثلاثة أطفال (بنتان وولد) - مقيم بسويسرا منذ 9 ماي 1992.
كاتب ومتابع للشأن السياسي والعربي والإسلامي - مدير شركة خاصة في الطباعة والتصميم والتوزيع.

أظهر كل المقالات